البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
يقرر الطبري (ج 18، ص 279)مصدر غير محدد١٨/٢٧٩: "ومن رحمته بكم أيها الناس، ورأفته بكم، أن خالف بين هذين الخلقين فجعل الليل سكناً تستريح فيه أبدانكم من النصب، والنهار مضيئاً لتبتغوا فيه من فضل الله بالمعاش والتجارة ومكاسب الرزق، ولتشكروا الله على ما أسدى إليكم من هذه النعم العظام".
ويقول ابن كثير (ج 6، ص 250)مصدر غير محدد٦/٢٥٠: "أي خلق هذا وهذا لمصلحتكم؛ لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار بالأسفار والضرب في الأرض والتصرف بأنواع المكاسب".
ويشير البغوي في معالم التنزيل (ج 6، ص 222) إلى أن "الشكر" هو الغاية المطلوبة من العبد؛ إذ اعتراف القلب بهذه النعم وتوجيه الجوارح لطاعة مسديها هو كمال العبودية.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
رَحْمَتِهِ: الرقة والعطف والإحسان المقتضي لإيصال المنافع ودفع المضار، وهي صفة ذاتية لله تليق بجلاله تثمر آثاراً مشهودة في خلقه.
لِتَبْتَغُوا: الابتغاء هو الطلب والاجتهاد في تحصيل المطلوب بعزم وقوة.
فَضْلِهِ: الفضل هو الزيادة على المقدار المجرد، ويطلق على الرزق الحلال والتوفيق لما ينفع.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَمِن رَّحْمَتِهِ: الواو استئنافية أو عاطفة، "من رحمته" جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، أو بالفعل "جعل" بعده، وتقديم "من رحمته" يدل على أن الأصل في التشريع والتقدير الكوني هو الرحمة والإحسان.
جَعَلَ: فعل ماضٍ والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
لَكُمُ: جار ومجرور متعلقان بالفعل جعل.
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ: مفعول به أول ومعطوف عليه.
لِتَسْكُنُوا فِيهِ: اللام لام التعليل، "تسكنوا" مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل، "فيه" جار ومجرور، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ "جعل".
وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ: معطوفة على لتسكنوا، وإعرابها نظيرها.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: الواو عاطفة، "لعل" حرف ترجٍّ ونصب، والكاف اسمها، وجملة "تشكرون" في محل رفع خبر لعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تعتبر هذه الآية الخلاصة الجامعة والنتيجة التقريرية للآيتين السابقتين المفترضتين؛ فبعد أن بين شناعة انفراد الليل وحده أو النهار وحده، بين هنا بديع الواقع المتحقق بجمعهما معاً وفق مقتضى الرحمة الإلهية الواسعة.
التناسب التركيبي الداخلي:
استخدم القرآن أسلوب "اللف والنشر المرتب"؛ فذكر {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} ثم قابل الليل بقوله: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} وقابل النهار بقوله: {وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ}، ثم جمع الغاية العليا المشتركة من الأمرين معاً في ختام الآية: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إفراد الضمير في {لِتَسْكُنُوا فِيهِ}:
قد يسأل سائل: لماذا أعاد الضمير مفرداً في قوله {فِيهِ} وقد ذكر الليل والنهار معاً؟
الجواب: أن الضمير يعود على أقرب مذكور وهو "الليل" بدلالة السياق واللف والنشر، أو أنه عائد على كل واحد منهما في وقته المقدر، والتقدير: لتسكنوا في الليل وتبتغوا من فضله في النهار، فاكتفى بضمير أحدهما لدلالة المعنى كما في قول الشاعر: "رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً"، وهو من أساليب الإيجاز البلاغي العربي الرفيع.
اللف والنشر المشوش أو المرتب: هنا جاء مرتباً بأبهى حلة؛ الأول للأول (الليل للسكون) والثاني للثاني (النهار للابتغاء).
الالتفات إلى الرحمة: تصدير الآية بـ {وَمِن رَّحْمَتِهِ} ليعلم العباد أن حركات الفلك وقوانين الطبيعة ليست آليات صماء، بل هي أفعال إله رحيم ودود يدبر شؤون عباده بألطافه.
الظلال التدبرية والإشارية:
توازن الحياة الإسلامية: الإسلام لا يعرف الرهبانية الدائمة التي تعطل السعي ولا المادية الجشعة التي لا تعرف السكون والعبادة؛ بل هو نظام يتكامل فيه كد النهار في ابتغاء الرزق مع سكون الليل في مناجاة الخالق وراحة البدن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
بيان أن نعم الله مسخرة للعبد ليستعين بها على طاعته، وأن الشكر العملي هو استخدام النعمة فيما خُلقت له، فلا يستعان بنور النهار على ظلم العباد، ولا بظلام الليل على مقارفة الآثام.
الآثار التربوية والوجدانية:
ترسيخ أدب السعي لطلب الرزق مع التفويض واليقين بأن الرزق "فضل الله" وليس بحول العبد وحيلته.
إحياء فريضة الشكر القلبي واللساني والعملي على تعاقب الليل والنهار وسلامة الحواس.