قال الطبري في "جامع البيان" (19/524)جامع البيانالطبري١٩/٥٢٤: "يقول تعالى ذكره: نقرأ عليك يا محمد بوحينا إليك وإرسالنا جبريل بالقرآن خبراً صادقاً من خبر موسى بن عمران نبي الله، وفرعون طاغية مصر، بالصدق واليقين الذي لا كذب فيه ولا تبديل، لقوم يصدقون بوحدانية الله ورسالتك، فيعتبرون به وينتفعون بمواعظه".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/217)مصدر غير محدد٦/٢١٧: أي نذكر لك أمر موسى وفرعون كأنك تشاهده وتراه عياناً، بالحق الصادق المطابق للواقع المحفوظ في أصول الكتب الإلهية قبل تحريفها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{نَتْلُو}: التلاوة هي القراءة المتتابعة المترسلة، واستعمالها من الله تعالى دلالة على إنزاله بالوحي المتلو المحفوظ حرفاً بحرف.
{نَّبَإِ}: النبأ هو الخبر العظيم ذو الشأن البالغ والخطورة الكبيرة، ولا يطلق النبأ في لسان العرب إلا على ما كان مهماً صادقاً.
{بِالْحَقِّ}: بالصدق الثابت العادل المنزه عن الزيادة والنقصان والتحريف والتخيل.
{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: اللام للأجل والتعليل أو للاختصاص؛ أي إنما نتلوا هذا القصص لينتفع به أهل الإيمان؛ لأنهم المنتفعون بحقائقه.
الإعراب:
{نَتْلُو}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن للتعظيم.
{عَلَيْكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ{نَتْلُو}.
{مِن نَّبَإِ}: جار ومجرور متعلقان بـ{نَتْلُو}، و"مِن" للتبعيض؛ أي نتلو بعض أخبارهما المهمة؛ أو لابتداء الغاية.
{مُوسَىٰ}: مضاف إليه مجرور بفتحة مقدرة منع من ظهورها التعذر لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{وَفِرْعَوْنَ}: معطوف على موسى مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل أو من المفعول به المقدر؛ أي محقين أو متلبساً بالحق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البراعة الاستهلالية للقصة:
استهلال مباشر يحدد طرفي الصراع: {مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ}؛ الحق المجرد متمثلاً في نبي الله المستضعف، والباطل المستعلي متمثلاً في فرعون الطاغية؛ تمهيداً لعرض السنة الإلهية الحاكمة للصراع بين الإيمان والطغيان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مصداقية القصص القرآني مقابل الروايات المحرفة:
محاكمة تاريخية وعقدية:
يمتاز النبأ القرآني بقيد {بِالْحَقِّ}؛ فهو منزه عن الأساطير والخرافات التي حشت بها كتب أهل الكتاب وتواريخ القدماء قصص موسى وفرعون؛ حيث صان القرآن عصمة الأنبياء من النقائص والافتراءات، وقدّم القصة مجردة في سياقها الهدافي السنني العظيم، مما يقطع بصدق الوحي الإلهي.
قال: {مِن نَّبَإِ} للدلالة على فخامة المضمون وجلالة شأن الوقائع التاريخية المسوقة؛ فالأمر يتصل بتدبير أمم وتوريث أراض وهلاك جبابرة.
التعبير بـ {مِن} التبعيضية:
إنصاف قرآني وإعجاز بالغ؛ فالقرآن لم يسرد تفاصيل حياة موسى اليومية وحوادثه الدقيقة التي لا حاجة للهداية بها، بل اجتزأ واختار "من" نبئه تلك المحطات الفاصلة ذات الأثر التربوي والسنني العميق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اتخاذ القصص القرآني زاداً للمؤمن:
قصص القرآن ليس للتسلية وتزجية الفراغ، بل هو زاد عقدي وتربوي يثبت قلب المؤمن {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}.
الاستبصار بمآلات الأمور:
تخصيص {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ينبه إلى أن ثمرة القصص لا يجنيها إلا القلب المؤمن الذي يربط بين حركة التاريخ وسنن الله النافذة.