البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
يقرر الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 275) أن المعنى: وهو المعبود الذي لا تنبغي الألوهية والعبادة إلا له، المنفرد بالخلق والتدبير والملك، فكل معبود سواه باطل وضلال. وقوله: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ} أي: له الثناء الجميل واستحقاق الشكر المطلق على جميع نعمه في الدار الدنيا (الأولى)، وله الحمد التام في الآخرة حيث يحمده أهل الجنة على فضل رحمته وإنجاز وعده؛ كما قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ}.
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 249): "هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما أنه لا خالق غيره، وله الحمد في الدارين؛ لأنه المحمود في الدنيا على شرائعه ونعمه الظاهرة والباطنة، ومحمود في القيامة بحكمه العدل وفضله الإحساني".
ويؤكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج 13، ص 316) أن قوله: {وَلَهُ الْحُكْمُ} يتناول قضاءه القدري النافذ في خلقه، وحكمه الشرعي الموحى إلى رسله، وحكمه الجزائي يوم القيامة الذي يفصل به بين عباده، وقوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إقرار بحتمية البعث والجزاء للحساب العادل.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
اللَّهُ: علم على الذات الإلهية الجامعة لصفات الكمال والجلال، وأصله "الإله" حذفت همزته وعوض عنها بأل للتعظيم، مشتق من أله يأله إذا عُبد محبة وتعظيماً.
الْحَمْدُ: الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم والمحبة، وتعرّفه بأل الاستغراقية ليدل على استغراق سائر المحامد واستحقاقها لله وحده.
الْحُكْمُ: القضاء والإنفاذ والمنع من الظلم؛ وأصله من حَكَمَ أي منع، ومنه حَكَمَة اللجام لأنها تمنع الدابة من الاضطراب.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَهُوَ: الواو عاطفة أو استئنافية، "هو" ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ أول.
اللَّهُ: خبر المبتدأ أو بدل أو مبتدأ ثانٍ وخبره الجملة اللاحقة.
لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ: "لا" نافية للجنس تعمل عمل إن، "إله" اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره "حق" أو "موجود بحق"، "إلا" أداة استثناء وحصر، "هو" بدل من موضع لا واسمها مرفوع بالضمة المقدرة.
فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ: متعلقان بمحذوف حال من الحمد أو بالحمد نفسه.
وَلَهُ الْحُكْمُ: معطوفة على الجملة السابقة، تقديم الجار والمجرور للحصر أيضاً.
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: الواو عاطفة، "إليه" جار ومجرور متعلقان بالفعل "ترجعون" المؤخر لبيان القصر والاختصاص، و"ترجعون" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
جاءت هذه الآية الفاصلة الجامعة تتويجاً لعرض آيات التوحيد والقدرة الكونية؛ فبعد أن بيّن سبحانه خلق ما يشاء واختياره ونفى الخيرة عن المشركين، وأثبت علمه التام بما تكن صدورهم وما يعلنون، أردف ذلك بإعلان ألوهيته الحقة وكماله الذاتي، ثم أتبعها بالبراهين الكونية العظيمة في تعاقب الليل والنهار (الآيات 71-73).
التناسب التركيبي الداخلي:
تدرجت الجمل من التقرير الذاتي للألوهية {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}، إلى استحقاق الحمد على النعم في الدنيا والآخرة {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ}، إلى انفراد السلطان والأمر النافذ {وَلَهُ الْحُكْمُ}، منتهية بمآل الخلائق جميعاً إليه للحساب {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، مما يغلق كل مسارب الشرك والتمرد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال شبهة الشرك ومنازعة المعبودية:
ردت الآية بالدليل القطعي على مزاعم المشركين؛ فبينت أن من يستحق الألوهية هو الذي تصدر منه النعم ابتداءً وتؤول إليه العواقب انتهاءً. والأصنام والآلهة المزعومة لم تنعم على أحد بذرة من النعم في الدنيا، ولا تملك ثواباً في الآخرة، ولا تقضي بحكم، ولا يرجع إليها مخلوق.
تفسير اختصاص الحمد في الآخرة:
قد يشكل: كيف يكون الحمد في الآخرة وهي دار جزاء لا دار تكليف؟
الجواب: أن حمد أهل الجنة في الآخرة ليس تكليفاً يثابون عليه، بل هو تلذذ روحي وفيض شكر يتدفق طوعاً واغتباطاً كما يتنفسون، بدلالة حديث النبي عليه الصلاة والسلام: "يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ" (صحيح مسلم: 2835)، فكان حمدهم تنعماً واعترافاً بفضل المنعم المطلق.
القصر والحصر: تكرر أسلوب القصر بتقديم الجار والمجرور في ثلاثة مواضع: {لَهُ الْحَمْدُ}، {وَلَهُ الْحُكْمُ}، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، ليفيد حصر الاستحقاق والملك والمصير في الله وحده دون منازع.
الطباق الإعجازي: بين {الْأُولَىٰ} و{الْآخِرَةِ}، وهو طباق زماني وحالي يحصر الوجود البشري بين مفتتحه في التكليف ومختتمه في الجزاء.
الإيجاز البليغ: جمعت الآية أصول العقيدة الأربعة: التوحيد، والنعم الموجبة للشكر، والأمر التشريعي والقدري، والبعث والنشور، في بضع كلمات فائقة الإحكام.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين يعلم القلب أن الحمد لله في الأولى والآخرة، تسقط من عينه مقارنة العطاء بالمنع الدنيوي؛ فكل ما يقضيه الله خير ومحمدة، وحين يعلم أن الحكم له وحده يتحرر العبد من الخضوع لطواغيت الأرض وأهوائهم، مطمئناً إلى عدالة المحكمة الإلهية النهائية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الدعوة إلى التوحيد لابد أن تقترن بترسيخ صفات الكمال واستحضار نعم الله؛ فالداعية يعلق قلوب الناس بالخالق المحمود على كل حال، المالك للدنيا والآخرة، مما ينزع الخوف من الجبابرة ويبعث الشجاعة واليقين.
الآثار التربوية والوجدانية:
تربية النفس على دوام الحمد في السراء والضراء؛ لأن الله محمود على قضائه كله.
التسليم المطلق لحكم الله الشرعي؛ إذ لا يجوز لمؤمن أن يرضى بحكم غير حكم من له الخلق والأمر.
اليقظة الدائمة والاستعداد للرجوع إلى الله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، فيزن العبد أعماله قبل أن توزن عليه.