أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/574)جامع البيانالطبري١٩/٥٧٤ بسنده عن ابن عباس ومجاهد: "لما أتم موسى أوفى الأجلين وأكملهما وهو عشر سنين، استأذن صهره في الخروج بأهله لزيارة والدته وأخيه بمصر، فخرج بهم في فصل الشتاء في ليلة مظلمة باردة ذات ريح ومطر، فضلّ الطريق وأخذ يقدح زنده فلا يوري شرراً، فبينما هو كذلك إذ {آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} أي أبصر نوراً عظيماً يتلألأ من جهة جبل الطور بسيناء، فقال لأهله: {امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} عن الطريق، {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ} أي قبس وشعلة على رأس عود أو جمرة {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي تستدفئون بها من شدة البرد".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/231)مصدر غير محدد٦/٢٣١: قضى موسى أكمل الأجلين وهو عشر سنين كما ثبت في صحيح البخاري، وسار بأهله (زوجته وغنمه)، وكانت النار التي رآها نوراً إلهياً تجلى للشجرة المباركة، وظنها موسى ناراً حطبية لشدة حاجته للدفء والاستدلال على الطريق.
وقرأ عاصم وحمزة: {جَذْوَةٍ} بفتح الجيم، وقرأ شعبة وأبو بكر {جُذْوَةٍ} بضم الجيم، وقرأ الباقون {جِذْوَةٍ} بكسر الجيم، وهي لغات فصيحة في القطعة الغليظة من الحطب المشتعل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{قَضَىٰ الْأَجَلَ}: أتم مدة الرعي والخدمة المشروطة في العقد (عشر سنين).
{وَسَارَ بِأَهْلِهِ}: ارتحل بزوجته وأولاده وماشيته متوجهاً إلى مصر.
{آنَسَ}: أبصر إبصاراً مصحوباً بأُنس وطمأنينة بعد وحشة وظلمة.
{الطُّورِ}: الجبل المشجر بالبركة في أرض سيناء.
{امْكُثُوا}: اثبتوا في مكانكم ولا تبرحوه.
{جَذْوَةٍ}: عود غليظ في رأسه نار مشتعلة بلا لهب، أو جمرة متقدة.
{تَصْطَلُونَ}: الاصطلاء هو الاستدفاء بالنار والاقتراب منها لإزالة البرد.
الإعراب:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، لما رابطة شرطية.
{قَضَىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر.
{مُوسَى}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة.
{الْأَجَلَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{وَسَارَ}: معطوف على قضى، والفاعل مستتر.
{بِأَهْلِهِ}: متعلقان بسار، والهاء مضاف إليه.
{آنَسَ}: جواب لما لا محل لها، فعل ماض وفاعله مستتر.
{مِن جَانِبِ}: متعلقان بآنَس، وجانب مضاف إلى {الطُّورِ}.
{نَارًا}: مفعول به لآنَس منصوب.
{قَالَ}: فعل ماض، والجملة حالية أو مستأنفة.
{لِأَهْلِهِ}: متعلقان بقال.
{امْكُثُوا}: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول.
{إِنِّي}: إن واسمها. {آنَسْتُ نَارًا}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر إن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من رعي الغنم إلى رعي الأمم:
انتهت مرحلة الإعداد النفسي والبدني في مدين بانتهاء الأجل؛ فجاء التعبير بـ {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} إيذاناً ببدء الانعطافة الكبرى في مسار البشرية؛ حيث قاده البرد والظلمة والضياع الحسي إلى أعظم لقاء قدسي في الوجود؛ لتتحول حاجته إلى جذوة نار دنيوية إلى تلقي نور الرسالة والشريعة الأبدية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة استدراج موسى برؤية النار:
محاكمة نفسية وإلهية:
لماذا تجلى الله لموسى في صورة نار في البداية ولم يناده صراحة ابتداءً؟
والجواب المحكم: لطفاً بموسى ومراعاة لطبعه البشري؛ فموسى كان في ليلة باردة مظلمة تائه الطريق قلقاً على أهله؛ فأراه الله ما يطلبه ويأنس به طبعاً وهو النار؛ فلما اقترب منها مؤملاً قبساً للاستدفاء، تجلت له الأنوار الإلهية والنداء الرباني؛ فكان هذا تدرجاً حكيماً من المألوف الحسي إلى الغيب القدسي لئلا يروع قلبه فجأة.
لم يقل "رأى" أو "أبصر"، بل قال {آنَسَ}؛ لأن الإيناس إبصار يصحبه استبشار وفرح وأنس يزيل وحشة الظلام والبرد والتيه؛ وموسى استأنس بتلك النار بعد وحشة الطريق.
التقسيم الحكيم في {لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ}:
جمع بين حاجتين لا ثالث لهما للتائه في البرد: هداية الطريق {بِخَبَرٍ}، ودفع أذى البرد {أَوْ جَذْوَةٍ}؛ فاستعمل الرجاء {لَّعَلِّي} تعففاً وأدباً لئلا يقطع بوعد قد يتعذر الوفاء به.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عناية الرجل بأهله وحمايتهم:
موسى أمر أهله بالمكوث في مكان آمن وذهب بنفسه لالتماس النار متحملاً الخطر والمشقة عنهم؛ مما يربي الرجل المسلم على القيام بحق القوامة والرعاية والشهامة مع أهله.
تحول المحن إلى منح ربانية:
الضياع والبرد والظلمة التي أصابت موسى كانت في ظاهرها محنة وكربة، لكنها كانت في باطن القدر السبب الذي ساقه إلى البقعة المباركة ومقام التكليم؛ فالمؤمن يثق بأن وراء كل كربة خيراً مدخراً من الله.