قال الطبري في "جامع البيان" (19/599)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٩: "يقول تعالى ذكره: ولكنّا أنشأنا بعد موسى قروناً وأمماً كثيرة، فتطاولت عليهم الآماد والأعمار، فنسوا عهد الله ودرس العلم وبدلت الكتب، {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ}: أي وما كنت مقيماً في أهل مدين تشاهد موسى وشعيباً وأخبار السقاية والرعي والزواج، {تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا}: أي لم تكن هناك تقرأ عليهم آياتنا، {وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}: أي ولكن أرسلناك رسولاً وأوحينا إليك هذه الأخبار الغائبة لتهدي بها الناس".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/238)مصدر غير محدد٦/٢٣٨: تقادم الزمان بين عهد موسى وعهد محمد ﷺ هو الذي أضاع معالم الدين وتسبب في تحريف التوراة ونسيان العهود، فكان إرسال محمد ﷺ رحمة لتجديد الدين وإحياء الحق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{أَنشَأْنَا قُرُونًا}: خلقنا وأوجدنا بعد موسى أجيالاً وأمماً متتابعة.
{وَلَٰكِنَّا}: الواو عاطفة، لكن حرف استدراك ونصب ونا اسمها.
{أَنشَأْنَا}: فعل وفاعل، والجملة خبر لكن.
{قُرُونًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{فَتَطَاوَلَ}: معطوف بالفاء، تطاول فعل ماض مبني على الفتح.
{عَلَيْهِمُ}: متعلقان بتطاول.
{الْعُمُرُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَمَا}: نافية. {كُنتَ}: فعل ماض ناقص والتاء اسمه.
{ثَاوِيًا}: خبر كنت منصوب بالفتحة.
{فِي أَهْلِ}: متعلقان بثاوياً، وأهل مضاف إلى {مَدْيَنَ}.
{تَتْلُو}: مضارع والفاعل أنت، والجملة في محل نصب حال من الضمير في ثاوياً أو خبر ثان.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بتتلو.
{آيَاتِنَا}: مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، ونا مضاف إليه.
{وَلَٰكِنَّا}: استدراكية، إن واسمها.
{كُنَّا}: كان واسمها، والجملة خبر لكن.
{مُرْسِلِينَ}: خبر كان منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل انقطاع العلم وتجديد الرسالة:
ترابط محكم يفسر حاجة البشرية إلى القرآن ومحمد ﷺ؛ فالأمم السابقة نسيت الوحي لتطاول الأمد وقسوة القلوب، ومحمد ﷺ لم يقف في مدين ولم يعاشر أهلها؛ فكيف وصلته هذه الأخبار بتفاصيلها الدقيقة؟! الجواب الاستدراكي الحاسم: {وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}؛ فالله هو الذي أرسله وأوحى إليه ليرد البشرية إلى صراطها المستقيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
آفة "تطاول العمر" وقسوة القلوب:
محاكمة سننية ونفسية:
الآية تشخص علة الانهيار الديني والحضاري للأمم: {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ}؛ فالزمان إذا طال على الأمم دون تجديد للوحي والموعظة رانت الغفلة على القلوب وقست وتحول الدين إلى طقوس ميتة وأساطير محرفة؛ كما قال تعالى في سورة الحديد: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}؛ ومن هنا تتجلى حكمة الله في إرسال الرسل وتجديد رسالات التوحيد لحفظ الفطرة الإنسانية.
لفظ عربي دقيق؛ الثاوي لا يقال لمجرد العابر أو المسافر، بل للمقيم إقامة استقرار ومخالطة؛ فنفى عن النبي ﷺ أن يكون قد استقر في مدين وتتلمذ على أهلها أو استقصى أخبارهم؛ ليكون علمه بها دليلاً قاطعاً على النبوة.
تكرار الاستدراك بـ {وَلَٰكِنَّا}:
استدراك أول لبيان حكمة اندراس العلم {وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا}، واستدراك ثان لبيان مصدر العلم النبوي {وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}؛ توكيداً وتوضيحاً للمقصد الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من قسوة القلب مع تقادم الزمان:
على المؤمن مداومة تعاهد قلبه بالقرآن والذكر ومجالس العلم؛ لئلا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه وتغشاه الغفلة.
شكر نعمة بعثة النبي ﷺ بالقرآن المحفوظ:
أعظم منة امتن الله بها على البشرية هي إرسال نبينا محمد ﷺ بكتاب محفوظ تكفل الله بحفظه من التحريف إلى قيام الساعة؛ فلا يندرس نوره ولا ينقطع هداه.