البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 284)مصدر غير محدد١٨/٢٨٤ عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة في تفسير هذه النصيحة الربانية العظيمة:
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ}: اطلب بما أعطاك الله من هذه الأموال الجزيلة ثواب الدار الآخرة، بالإنفاق في سبيله، وصلة الأرحام، وفك العوان، وإعانة الفقراء.
{وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}: قال ابن عباس: "لا تضيع عمرك أن تعمل فيه لآخرتك"، وقال الحسن وقتادة: "خذ منها ما يكفيك وينفعك بالحلال، من غير سرف ولا مخيلة، وتزود منها لمعادك".
{وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}: تفضل على عباد الله بالمال والمعروف، كما تفضل الله عليك بإنعامه وإفضاله بغير استحقاق منك.
{وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ}: لا تظلم عباد الله ولا تعصِ الله في أرضه بالبغي والربا والكبر؛ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 253)مصدر غير محدد٦/٢٥٣: "هذه الكلمات الخمس تتضمن المنهج الاقتصادي والأخلاقي المتوازن في التعامل مع المال والدنيا".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
وَابْتَغِ: اطلب بجد واجتهاد وعزم أكيد.
نَصِيبَكَ: الحظ والحصة والقدر المقدر للعبد من المباحات الحلال.
وَأَحْسِن: الإحسان هو بذل الفضل وإتقان العمل والبر بالخلق.
الْفَسَادَ: خروج الشيء عن الاعتدال والنفع إلى الضرر والشر والخراب.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَابْتَغِ: الواو عاطفة، "ابتغ" فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
فِيمَا: في حرف جر، "ما" اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ابتغ.
آتَاكَ اللَّهُ: ماضٍ ومفعوله وفاعله، صلة الموصول.
الدَّارَ الْآخِرَةَ: "الدار" مفعول به لابتغ منصوب، و"الآخرة" نعت منصوب.
مِنَ الدُّنْيَا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من نصيبك.
وَأَحْسِن: فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر.
كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ: الكاف حرف جر وتشبيه، "ما" مصدرية، "أحسن الله" ماضٍ وفاعله، والمصدر المؤول في محل جر بالكاف متعلق بمحذوف مفعول مطلق تقديره: إحساناً كإحسان الله إليك.
وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ: "لا" ناهية، "تبغ" مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر، "الفساد" مفعول به، "في الأرض" متعلقان بمحذوف حال أو بالفعل.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ: تعليل تحذيري في ختام الوصايا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تعتبر هذه الآية الدستور القرآني الأكمل في الاقتصاد الإيماني وفلسفة الاستخلاف المالي؛ فقد وضعت الضوابط الدقيقة لإنفاق المال واستثماره، مبينة أن المؤمن لا يرفض الدنيا رهبانية، بل يسخرها لتكون قنطرة ومزرعة للآخرة.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأسست الوصايا الخمس بنظم مدهش:
تحديد الغاية الكبرى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ}.
الاعتدال دون تضييع الضروريات المباحة: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.
التحذير من تحويل النعمة إلى أداة تدمير وظلم: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ}.
الجزاء النهائي بالبراءة من مقت الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة دعوة الإسلام إلى الزهد المذموم أو الفقر:
تثبت الآية بطلان دعوى من يزعم أن الدين يعادي الغنى؛ فنصيحة الصالحين لم تقل لقارون: "تخلَّ عن مالك وترهبن"، بل أقرت بملكيته في الدنيا ولكنها وظفتها: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}؛ فالإسلام يريد المال في يد العبد الصالح ليعمر به الأرض ويسد حاجات الخلق؛ "نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ" (مسند أحمد: 17798 وصححه الحاكم).
الأسلوب التكليفي الجامع: تعاقب خمسة أفعال إنشائية (أمر، نهي، أمر، نهي، تعليل تقريري) في نسق بياني متزن يجمع بين الترغيب والترهيب، وتوجيه الطاقة الإنسانية.
التشبيه التمثيلي في {كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}: جعل الإحسان الإلهي السابغ مقياساً ومحركاً لوجدان العبد ليبذل الإحسان لغيره، ومن لا يشكر الإحسان لئيم الطبع.
الظلال التدبرية والإشارية:
المال عارية مستردة؛ أضافه الله لقارون بلفظ {آتَاكَ} ليذكره بأن الملك الحقيقي لله، والعبد مجرد مستخلف، وأعظم الخسران أن يستعمل المستخلف مال المالك في محاربة سلطانه وإفساد أرضه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
يقدم المؤمنون هنا النموذج الناصع للداعية الخبير بفقه الواقع؛ لم يبدأوا بمصادرة ماله، بل قدموا له خريطة طريق متكاملة تجمع بين كرامة العيش في الدنيا والفوز بالآخرة.
الآثار التربوية والوجدانية:
جعل الآخرة هي الهم الأكبر والبوصلة الموجهة لكل استثمار أو تجارة.
الاستمتاع بمباحات الدنيا وطيباتها دون إسراف ولا مخيلة ولا تضييع لحقوق الله والعباد.
مقابلة نعم الله بالإحسان إلى خلقه: بذلاً، وعفواً، وإعانة، ونفعاً متعدياً.