أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/526)جامع البيانالطبري١٩/٥٢٦ بسنده عن السدي وابن عباس: "أن فرعون رأى في منامه رؤيا أفزعته؛ رأى ناراً أقبلت من جهة بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه، فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاءت منه هذه النار -يعنون بيت المقدس- رجل يكون على يديه هلاكك وهلاك ملكك وقومك؛ فأمر فرعون عند ذلك بتذبيح أبناء بني إسرائيل، واستحياء نسائهم لخدمتهم ومهنتهم".
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (6/218)مصدر غير محدد٦/٢١٨: {عَلَا فِي الْأَرْضِ} أي تكبر وتجبر وطغى وادعى الربوبية واستعبد خلق الله، وجعل أهل مصر شيعاً؛ أي فرقاً وأحزاباً وأصنافاً يضرب بعضهم ببعض، وقهر بني إسرائيل الذين هم سلالة نبي الله يعقوب عليه السلام فجعلهم في أسفل دركات الاستضعاف والامتهان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{عَلَا}: العلو هو الارتفاع، واستعمل هنا في البغي والتجبر والاستكبار بغير حق.
{شِيَعًا}: جمع شيعة، وهي الفرقة المتفرقة، والمراد أنه قسّم المجتمع إلى طبقات متناحرة ليضمن سيطرته وانقيادهم له.
{يَسْتَضْعِفُ}: الاستضعاف هو عدّ الآخرين ضعفاء وإذلالهم وقهرهم واستلاب قواهم.
{يَسْتَحْيِي}: يستبقي على قيد الحياة للخدمة والابتذال والرق.
{الْمُفْسِدِينَ}: جمع مفسد، والإفساد ضد الإصلاح؛ وهو تخريب نظام الحياة وتغيير الفطرة والجور على حقوق العباد.
الإعراب:
{إِنَّ فِرْعَوْنَ}: إن واسمها منصوب بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{عَلَا}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر إن.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بـ{عَلَا}.
{وَجَعَلَ}: عاطفة، جعل فعل ماض وفاعله هو.
{أَهْلَهَا}: مفعول به أول لجعل منصوب، والهاء مضاف إليه.
{شِيَعًا}: مفعول به ثان لجعل.
{يَسْتَضْعِفُ}: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والجملة حالية أو بدل من جعل أو مستأنفة.
{طَائِفَةً}: مفعول به ليَستضعف. {مِّنْهُمْ}: متعلقان بنعت لطائفة.
{يُذَبِّحُ}: مضارع مرفوع، والفاعل هو، والجملة بدل اشتمال من يستضعف أو بيان لها.
{أَبْنَاءَهُمْ}: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه.
{وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}: معطوف على يذبح أبناءهم.
{إِنَّهُ كَانَ}: إن واسمها، وجملة كان خبرها. {مِنَ الْمُفْسِدِينَ}: متعلقان بمحذوف خبر كان، والجملة تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشريح القرآني الدقيق لآليات الاستبداد:
جاءت الآية كتحليل اجتماعي وسياسي استباقي لعناصر الحكم الطاغوتي؛ بدأت برأس الداء وهو الاستكبار والعلو النفسي {عَلَا فِي الْأَرْضِ}، ثم الوسيلة الشيطانية للبقاء في السلطة {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}، ثم الممارسة الإجرامية البشعة {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً}، ثم ذروة الجريمة {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}، ثم التعقيب بالحكم الرباني الناجز {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك نظرية "فرق تسد" الفرعونية:
محاكمة سياسية وتاريخية:
الآية تكشف الأصل التاريخي لسياسة التمزيق والتفريق {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}؛ فالطاغية لا يستطيع السيطرة على أمة متحدة متماسكة، فيلجأ إلى بث الشقاق والنزاع والطبقية بين مكونات المجتمع، وإغراء طائفة بأخرى، واستضعاف الفئات الصالحة لإضعاف شوكة الأمة؛ وهذا برهان على أن الفرقة فساد عريض لا يستفيد منه إلا المستبدون.
لم يقل "يذبح" بل قال {يُذَبِّحُ} بصيغة التكثير والتكرار المروع؛ لتصوير المشهد الدموي المستمر الذي كان يتكرر مع كل مولود يولد لبني إسرائيل بلا رحمة ولا هوادة.
الجمع بين تذبيح الأبناء واستحياء النساء:
التذبيح يقطع نسل الرجال وشوكة الجهاد والقوة، والاستحياء يستبقي النساء ليمارَس عليهن الإذلال والخدمة والامتهان؛ وهي أبشع صور الإبادة الجماعية والاسترقاق النفسي والبدني.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة العلو والاستبداد في الأرض:
التحذير البالغ من نزعات الاستعلاء والظلم؛ فالاستكبار في الأرض بوابة كل شر ومقتضى الهلاك والخزي.
الحذر من الفرقة والتحزب المذموم:
تماسك الأمة ووحدتها صمام أمانها من تسلط الطغاة والمستعمرين؛ وتنازعها وتفرقها شيعاً هو الثغرة التي ينفذ منها كل مفسد.