أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/633)جامع البيانالطبري١٩/٦٣٣ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "نزلت رداً على مشركي قريش حين قالوا معترضين على نبوة محمد ﷺ: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} يعنون الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف؛ فرد الله عليهم جهلهم وافتراءهم فقال: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} من يشاء لرسالته ونبوته وهدايته، {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}: أي ليس للخلق أن يختاروا على الله ولا أن يقترحوا عليه في ملكه ورسالته، بل الخيرة لله وحده؛ تنزه وتقدس عما يشركون معه من الأنداد".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/248)مصدر غير محدد٦/٢٤٨: الله سبحانه منفرد بالخلق والاختيار، فلا شريك له في خلقه ولا منازع له في تدبيره؛ فهو يختار الأنبياء، ويختار الأزمنة (كرمضان وعشر ذي الحجة)، ويختار الأمكنة (كمكة والمدينة والمسجد الأقصى) بمحض مشيئته وحكمته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}: الإيجاد من العدم وتصريف الكائنات بمشيئته المطلقة.
{وَيَخْتَارُ}: الاصطفاء والانتخاب لمن يستحق التفضيل والرسالة من عباده.
{الْخِيَرَةُ}: اسم مصدر من الاختيار؛ وهي حق التفضيل والانتقاء والاستبداد بالرأي.
{سُبْحَانَ اللَّهِ}: تنزيهاً وتقديساً وبراءة تامة لله من كل عيب ونقص وشريك.
{مَا}: نافية مهملة (عند جمهور المفسرين والمعربين كابن جرير وابن كثير والزمخشري).
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{لَهُمُ}: متعلقان بمحذوف خبر كان مقدم.
{الْخِيَرَةُ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة مستأنفة تقرر نفي الاختيار عنهم. (وقيل ما موصولة مفعول ليختار، والوقف على يختار أرجح عند المحققين).
{سُبْحَانَ}: مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف تقديره "أسبح سبحان"، وهو مضاف إلى اسم الجلالة.
{وَتَعَالَىٰ}: معطوف على الفعل المقدر، ماض مبني على الفتح المقدر.
{عَمَّا}: عن حرف جر، ما موصولة أو مصدرية متعلقان بتعالى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسم مرجعية الاختيار والاصطفاء:
اتصال عقدي فائق؛ بعد أن قرر في الآيات السابقة قضية الهداية {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}، وقضية قبول التائبين {فَأَمَّا مَن تَابَ...}، أرسى في هذه الآية الأصل الكلي الحاكم لكل شؤون الوجود: وهو انفراد الله بالخلق والاصطفاء والاختيار؛ فلا حق لأحد من الخلق أن يعترض على قضاء الله أو يقترح نبياً أو شريعة أو حكماً؛ فالأمر لله وحده بدءاً ومصيراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال التدخل البشري في الأحكام والشرائع الإلهية:
محاكمة أصولية تشريعية:
الآية تقرر أن التشريع والاصطفاء حق حصري لله تعالى: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}؛ فليس للبشر أن يحلوا أو يحرموا بأهوائهم، وليس لهم أن يحددوا مواصفات النبوة والرسالة؛ لأن الله وحده المحيط بصفات الكمال ومصالح الخلق؛ فمن نازع الله في اختياره وتشريعه فقد نازعه في ربوبيته وألوهيته؛ ومن هنا كان الختام بالتنزيه: {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
جمع بين نوعين من القدرة: قدرة الخلق والإيجاد العام {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}، وقدرة الاصطفاء والتشريف الخاص {وَيَخْتَارُ}؛ لبيان أن الذي تفرد بالخلق الأول هو المتفرد بحق الأمر والتشريع {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}.
التنزيه البليغ في {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ}:
الجمع بين التسبيح والتعالي لتنزيه الله عن افتراءات المشركين في اقتراح الآلهة أو منازعة الله في اختياره؛ رداً على غطرستهم وعنادهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال التسليم والرضا باختيار الله:
أدب العبودية يقتضي الرضا الكامل بما اختاره الله للعبد في دينه ودنياه وقدره؛ فالمؤمن يردد بقلب خاضع: "رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً".
بطلان الاعتراض على أقدار الله وشرعه:
على المسلم الحذر من الاعتراض على النصوص الشرعية الثابتة أو التململ من أحكام الله بعقله وهواه؛ فالخيرة لله ورسوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}.