أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/631)جامع البيانالطبري١٩/٦٣١ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ}: "قالوا: ضلت عنهم الحجج، وبطلت معاذيرهم، وأظلمت عليهم الأخبار، فلم يجدوا جواباً ولا حجة يدلون بها؛ لأنهم يعلمون أنهم كذبوا وعصوا، {فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ}: أي لا يسأل بعضهم بعضاً كما كانوا يتشاورون في الدنيا لتدبير الحيل؛ لأن الهول أخرسهم، والدهشة أذهلتهم، وانقطعت بينهم الأسباب".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/248)مصدر غير محدد٦/٢٤٨: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ} أي خفيت عليهم الحجج، فلم يأتوا ببرهان ولا خبر ينفعهم، وخرسوا من شدة الخزي والرعب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فَعَمِيَتْ}: استعير العمى للبطلان والخفاء والانسداد والانقطاع التام؛ كأن الأخبار والحجج أصابها العمى فلم تهتدِ إليهم ولم يهتدوا إليها.
{الْأَنبَاءُ}: جمع نبأ؛ وهو الحجج والأخبار والمعاذير الصادقة.
{لَا يَتَسَاءَلُونَ}: لا يسأل بعضهم بعضاً عن حجة ولا جواب لعظم الهول والذهول.
الإعراب:
{فَعَمِيَتْ}: الفاء عاطفة سببية، عمي فعل ماض مبني على الفتح والتاء للتأنيث.
{عَلَيْهِمُ}: متعلقان بـ{عَمِيَتْ}.
{الْأَنبَاءُ}: فاعل عميت مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَوْمَئِذٍ}: يوم ظرف زمان متعلق بعميت، وإذ اسم مبني مضاف إليه مبني على الكسر للتنوين.
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة سببية، هم مبتدأ.
{لَا}: نافية.
{يَتَسَاءَلُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الخرس التام وتلاشي حيل الدنيا:
مشهد مروع للانهيار المعرفي والنفسي؛ في الدنيا كانوا يتساءلون ويتشاورون ويدبرون الحيل والشبهات ضد الرسل، فلما سئلوا يوم القيامة: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}، انسدت أمامهم كل المسالك، وألجمتهم الفضيحة؛ فعميت عليهم الحجج، وانعقدت ألسنتهم عن مجرد التساؤل أو التشاور؛ ليعم الصمت المخيم على ساحة المحاكمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين نفي التساؤل وإثباته في مواضع أخرى من القيامة:
محاكمة أصولية تفسيرية:
ورد في هذه الآية: {فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ}، وفي سورة الصافات: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}؛ فكيف يجمع بين النفي والإثبات؟!
والجواب المحكم عند حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: يوم القيامة مواقف متطاولة وأحوال متباينة؛
ففي موطن هول النداء وسماع التقريع وعظمة الجبار سبحانه تخشع الأصوات وتخرس الألسن {فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} من شدة الدهشة والهيبة.
وفي مواطن أخرى بعد ذلك، أو وهم يساقون إلى النار، يتلاومون ويقبل بعضهم على بعض يتساءلون ويختصمون ويلعن بعضهم بعضاً؛ فلا تعارض بين نصوص الوحي بحمد الله.
الاستعارة المكنية في إسناد العمى إلى {الْأَنبَاءُ}:
استعارة تخييلية بديعة؛ جعل "الأنباء" والحجج كأنها كائنات حية تبصر الطريق إلى أصحابها، ثم أصابها العمى فتاهت ولم تهتدِ إليهم؛ مما يصور الإفلاس المعرفي التام بأبلغ تصوير.
صيغة التفاعل في {لَا يَتَسَاءَلُونَ}:
نفي التساؤل المتبادل؛ لبيان أن كل إنسان صار مشتغلاً بنفسه وذهوله عن أقرب أصحابه وقادته: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بطلان حجج الباطل عند لقاء الله:
كل جدل باطل وكل سفسطة يزينها الملاحدة والمبطلون في الدنيا ستعمى وتتبخر أمام جلال الله وعدله؛ فلن تثبت إلا حجة الوحي والإيمان الصادق.
هول الموقف والاستعداد له:
استحضار مشهد الذهول والخرس يوم القيامة يبعث في النفس الخوف والمسارعة إلى التوبة وإصلاح العمل في دار الإمهال.