أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (برقم 32236)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٢٣٦ والطبري في "جامع البيان" (19/564)جامع البيانالطبري١٩/٥٦٤ وصححه ابن كثير بسنده الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}: قال: "جاءت واضعة ثوبها أو كمها على وجهها تستتر به، ليست بسلفع خراجة ولاجة ولا جَسورة، تمشي مشية الفتاة العفيفة الخفرة".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/229)مصدر غير محدد٦/٢٢٩: لما عادت البنتان سريعاً إلى أبيهما وسألهما عن سر سرعتهما أخبرتاه بصنيع الرجل الصالح وقوته؛ فأمر إحداهما أن تدعوه؛ فلما بلغته رسالة الأب مشى معها، وقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق بحصى تلقينه أمامي؛ تورعاً عن النظر إلى حركتها ومشيتها، فلما دخل على الشيخ وقص عليه خبره من ميلاده وبطش فرعون وهربه، طمأنه الشيخ الحكيم وقال له: {لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}؛ فإن أرضنا هذه خارجة عن ملك فرعون وسلطانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}: الحياء هو انقباض النفس عن القبيح وانكسارها حشمة وخفراً وتصوناً؛ والمشي على استحياء تصوير للعفة والحشمة في الهيئة والحركة.
{لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ}: الجزاء المكافأة بالمثل أو التفضل على الإحسان، وأجر السقاية مكافأة مالية أو إكرام بالضيافة.
{وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ}: سرد عليه أخباره وأسباب هجرته وما جرى له في مصر بتفصيل صادق مرتب.
{نَجَوْتَ}: النجاة هي الخلاص والوصول إلى بر الأمان وزوال الخوف.
الإعراب:
{فَجَاءَتْهُ}: الفاء عاطفة سببية، جاءت فعل ماض والتاء للتأنيث والهاء مفعول به مقدم.
{إِحْدَاهُمَا}: فاعل مؤخر مرفوع بضمة مقدرة، وهما مضاف إليه.
{تَمْشِي}: مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر هي، والجملة في محل نصب حال من إحداهما.
{عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}: جار ومجرور في محل نصب حال من فاعل تمشي؛ أي متمكنة من الحياء ومتلبسة به.
{قَالَتْ}: فعل ماض والفاعل مستتر.
{إِنَّ أَبِي}: إن واسمها منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{يَدْعُوكَ}: مضارع ومفعوله، والفاعل مستتر هو يعود على الأب، والجملة خبر إن.
{لِيَجْزِيَكَ}: اللام لام التعليل، يجزيك مضارع منصوب بأن مضمرة، والفاعل هو والكاف مفعول به أول.
{أَجْرَ}: مفعول به ثان منصوب، وهو مضاف إلى ما.
{مَا سَقَيْتَ}: ما مصدرية أو موصولة، سقيت فعل وفاعل، والمصدر المؤول مضاف إليه.
{لَنَا}: متعلقان بسقيت.
{فَلَمَّا}: عاطفة شرطية. {جَاءَهُ}: فعل ومفعول به، والفاعل مستتر هو (موسى).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الاستجابة الإلهية لدعاء الافتقار:
ترابط معجز مذهل؛ ما كاد موسى يختم دعاءه {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} حتى عقّب القرآن مباشرة بالفاء الدالة على التعقيب والسرعة الفورية: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا}؛ ففتح الله له باب الفرج والرزق والأمن والمأوى في التو واللحظة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل قبول موسى لطلب الشيخ يتنافى مع أجر العمل الصالح؟
محاكمة فقهية وسلوكية:
قالت البنت: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}؛ وموسى لم يسق ابتداءً طمعاً في أجر أو جزاء؛ فلماذا ذهب معه؟!
والجواب المحكم: موسى لم يذهب لطلب الأجرة، وإنما ذهب إجابة لدعوة شيخ كبير طاعن في السن دعاه لإكرامه وضيافته، وإجابة الدعوة من مكارم الأخلاق؛ ولأنه كان جائعاً غريباً لا مأوى له، فكانت تلك الدعوة من الرزق والخير الذي سأل ربه إياه في دعائه: {لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.
بلاغة حرف الجر {عَلَى} في قوله {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}:
لم يقل "باستحياء" بل قال {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}؛ وحرف "على" يفيد الاستعلاء والتمكن والرسوخ؛ أي كأن الحياء كان سجية ومركباً يعلوه خلقها وسلوكها، فصار الحياء صفة مهيمنة على حركتها ومشيتها وكلامها.
أمانة النقل وعفة العبارة:
لم تقل: "أنا أدعوك" أو "نحن نريد مكافأتك"، بل نسبت الدعوة والجزاء إلى أبيها صيانة لعفتها: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ}؛ لتقطع كل طمع وتنأى بنفسها عن أي شبهة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحياء تاج المرأة المسلمة:
الحياء أعظم زينة تتحلى بها الفتاة؛ فهو يحفظ هيبتها ووقارها ويجلب لها احترام الصالحين؛ والحياء لا يمنع من أداء المهام وقضاء الحاجات بعزة وعفة.
تطمين الخائفين وبث السكينة:
وظيفة المصلحين والعلماء والشيوخ عند استقبال الغرباء والخائفين هي تثبيت قلوبهم وبث السكينة والأمان في نفوسهم {لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.