أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/587)جامع البيانالطبري١٩/٥٨٧ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "أجاب الله دعاء موسى وأعطاه سؤله فوراً فقال: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}: أي سنقوي أمرك ونعينك به ونجعله نبياً معك وزيراً، {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا}: أي حجة قاطعة وغلبة وبرهاناً، وقيل: ملكاً وقوة ومنعة، {فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} بسوء ولا قتل ولا أذى ينال منكما، وسبب غلبتكما وحمايتكما هو: {بِآيَاتِنَا} ومعجزاتنا القاهرة؛ فأنتما ومن آمن معكما من بني إسرائيل الغالبون بالحجة والتمكين في الدنيا وبالجنة في الآخرة".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/234)مصدر غير محدد٦/٢٣٤: هذا وعد إلهي قاطع بالعصمة والغلبة؛ فلا يجرؤ فرعون ولا جنوده على المساس بهما بأذى يمنعهما من البلاغ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{سَنَشُدُّ}: الشد هو التقوية والتثبيت والإحكام.
{عَضُدَكَ}: العضد ما بين المرفق إلى الكتف من اليد، وشد العضد مثل عربي شهير في القوة والمعونة والتأييد؛ لأن قوة اليد وبطشها بقوة عضدها.
{بِأَخِيكَ}: متعلقان بنشد، وأخيك مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة والكاف مضاف إليه.
{وَنَجْعَلُ}: معطوف على نشد مرفوع.
{لَكُمَا}: متعلقان بنجعل.
{سُلْطَانًا}: مفعول به لنجعل منصوب.
{فَلَا}: الفاء عاطفة سببية، لا نافية للجنس أو نافية محضة.
{يَصِلُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{إِلَيْكُمَا}: متعلقان بيصلون، والجملة معطوفة تفيد النتيجة المترتبة على جعل السلطان.
{بِآيَاتِنَا}: متعلقان بمحذوف تقديره "امضيا بآياتنا"، أو متعلقان بالمنفي (فلا يصلون إليكما بآياتنا أي ببركتها)، أو متعلقان بـ{الْغَالِبُونَ}.
{أَنتُمَا}: ضمير منفصل مبتدأ.
{وَمَنِ}: معطوف على أنتما في محل رفع.
{اتَّبَعَكُمَا}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الْغَالِبُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الوعد الإلهي الناجز بالعصمة والنصر:
جاء الجواب الرباني بلسم أمان لكل مخاوف موسى؛ فخوفه من القتل زال بقوله: {فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا}، وحاجته إلى المعين لبيت بقوله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}، وحاجته إلى قوة الإقناع لبيت بقوله: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا}، وتوج ذلك كله بإعلان النتيجة النهائية مسبقاً قبل المعركة: {أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية غلبة الحق وأهله في ميزان التاريخ:
محاكمة سننية وتاريخية:
الآية تضع قاعدة كونية حتمية: {أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}؛ فالغلبة الحقيقية الدائمة هي للحق وأتباعه؛ والسر في ذلك مقرون بحرف الباء في {بِآيَاتِنَا}؛ فما دام الصراع قائماً على الاستمساك بآيات الله ومنهجه فإن الغلبة للمؤمنين حتماً؛ إما بظهور الحجة والبيان، وإما بالتمكين والنصر والغلبة العسكرية والسياسية، وإما بحسن العاقبة في الآخرة وخزي المبطلين.
استعارة مأثورة تمثل التأييد الروحي والمعنوي والاجتماعي بشد عضلات العضد التي بها قوام بطش اليد وعملها؛ لإبراز التلاحم التام بين الأخوين في خوض غمار الدعوة.
الحصر والتوكيد في الجملة الاسمية {أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}:
جملة اسمية معرفة الطرفين تفيد الثبوت والاستقرار والشمول؛ ليشمل الوعد موسى وهارون وكل من تبعهما من المؤمنين إلى يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة في عصمة الله لأوليائه:
الداعية المخلص يستشعر معية الله وتأييده؛ ويعلم أن أعداء الله مهما امتلكوا من سلاح وأجهزة فلن يصلوا إليه بسوء إلا بأمر قد كتبه الله.
شرف التبعية لأهل الحق:
الانضمام إلى ركاب الرسل وأتباعهم هو طريق الغلبة والكرامة؛ فمن أراد العزة فعليه بلزوم منهج الوحي {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.