أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/611)جامع البيانالطبري١٩/٦١١ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك: "لما قرئ القرآن على مؤمني أهل الكتاب أذعنوا وبكوا وقالوا: {آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا}: أي هذا هو الصدق المحض الذي نزل من عند ربنا مصدقاً لما بين أيدينا، {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}: أي كنا من قبل نزوله مسلمين موحدين مخلصين لله متبعين لدين أنبيائه، منتظرين مبعث محمد ﷺ لنؤمن به".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/242)مصدر غير محدد٦/٢٤٢: يخبر الله عن سرعة استجابتهم وإذعانهم؛ لعلمهم بأنه الحق المطابق لما بشرت به الأنبياء من قبل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{يُتْلَىٰ}: يقرأ بصوت متتابع مرتلاً متدبراً.
{الْحَقُّ}: الثابت اليقيني الذي لا يشوبه ريب ولا تبديل.
{مِن قَبْلِهِ}: من قبل نزول القرآن أو من قبل سماعه.
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان شرطي.
{يُتْلَىٰ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر هو يعود على القرآن.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بيتلى.
{قَالُوا}: جواب إذا فعل وفاعل والجملة لا محل لها.
{آمَنَّا}: فعل وفاعل. {بِهِ}: متعلقان بآمنا، والجملة مقول القول.
{إِنَّهُ}: إن واسمها.
{الْحَقُّ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِن رَّبِّنَا}: متعلقان بمحذوف حال من الحق، ونا مضاف إليه.
{إِنَّا}: إن واسمها (نا المدغمة).
{كُنَّا}: كان واسمها، والجملة خبر إن.
{مِن قَبْلِهِ}: متعلقان بمسلمين.
{مُسْلِمِينَ}: خبر كنا منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الإذعان وتأكيد الاستمرارية الإيمانية:
تناسق يعكس نقاء الفطرة؛ بمجرد سماع التلاوة {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} بادروا بالإقرار {قَالُوا آمَنَّا بِهِ}، ثم عللوا إيمانهم بأنه الحق النازل من ربهم، ثم أوضحوا أن إسلامهم اليوم ليس ديناً جديداً طارئاً عليهم، بل هو امتداد لإسلامهم الأول وانقيادهم للتوحيد؛ فالإسلام هو دين الأنبياء جميعاً من لدن آدم إلى محمد ﷺ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمول اسم "الإسلام" لرسالات الأنبياء قاطبة:
محاكمة عقدية وتاريخية:
قولهم: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} يقرر أصلاً قرآنياً كلياً: دين الأنبياء واحد وهو "الإسلام"؛ وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك؛ فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى كلهم كانوا مسلمين ودعوا إلى الإسلام؛ والشرائع تختلف في الفروع وتتفق في أصل التوحيد؛ فمن آمن بنبيه في زمانه كان مسلماً، فإذا بعث خاتم الأنبياء وجب عليه اتباعه ليبقى مسلماً.