قال الطبري في "جامع البيان" (19/528)جامع البيانالطبري١٩/٥٢٨: "يقول تعالى ذكره: وقضاؤنا وإرادتنا الماضية في هؤلاء الذين استضعفهم فرعون وقومه بمصر من بني إسرائيل، أن نتفضل عليهم بالخلاص من نير العبودية والذل، ونجعلهم قادة في الخير وأئمة يقتدى بهم في الإيمان والعمل، ونجعلهم الوارثين لملك فرعون وقومه وأرضهم وديارهم".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/218)مصدر غير محدد٦/٢١٨: بشرى إلهية صادقة تقرر أن عاقبة الصبر على الاستضعاف في سبيل الله هي الإمامة والتمكين والوراثة، كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{نُرِيدُ}: الإرادة هنا إرادة قضاء وقدر تكويني حتمي لا يتخلف ولا يرده كيد كائد.
{نَّمُنَّ}: المنّ هو الإنعام العظيم والتفضل بالنعمة الكبرى دون مقابل.
{أَئِمَّةً}: جمع إمام، وهو القائد والمقتدى به في الدين والحق والحكم.
{الْوَارِثِينَ}: الذين يرثون الأرض والملك والديار بعد هلاك سالفيهم وزوال سلطانهم.
{أَن نَّمُنَّ}: أن مصدرية ناصبة، نمن مضارع منصوب بأن، والفاعل نحن، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ{نُرِيدُ}.
{عَلَى الَّذِينَ}: متعلقان بـ{نَّمُنَّ}.
{اسْتُضْعِفُوا}: ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان باستضعفوا.
{وَنَجْعَلَهُمْ}: معطوف على نمنّ منصوب، والهاء مفعول به أول.
{أَئِمَّةً}: مفعول به ثان لنجعل منصوب بالفتحة.
{وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}: معطوف على الجملة السابقة، الوارثين مفعول به ثان منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التاريخي بين إرادة الطاغية وإرادة رب العالمين:
في الآية السابقة: فرعون يريد تذبيح الأبناء واستدامة الملك بالبطش؛ وفي هذه الآية مباشرة: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ...}؛ تقابل عقدي وسنني حاسم يبرز صراع الإرادات؛ إرادة البشر الفانين العاجزين مقابل إرادة الحي القيوم القاهر فوق عباده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قانون استحقاق الإمامة والتمكين للمستضعفين:
محاكمة سننية وسلوكية:
هل كل استضعاف يعقبه تمكين وإمامة؟
والجواب المحكم: لا؛ فالآية تتحدث عن استضعاف مقترن بالإيمان والصبر على التوحيد؛ فبنو إسرائيل في ذلك الوقت كانوا هم أهل الإيمان المستضعفين لصبرهم وتمسكهم بدين الأنبياء ضد كفر فرعون؛ وقد علل الله نيلهم الإمامة والوراثة بالصبر في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}؛ فالصبر واليقين شرطا الإمامة في الدين والوراثة في الأرض.
لم يقل "وأردنا" بالماضي، بل جاء بالمضارع {وَنُرِيدُ} لاستحضار الصورة الحية للإرادة الإلهية وهي تتنزل وتنفذ في واقع الأحداث خطوة خطوة، ولإفادة أن هذه السنة الربانية جارية مستمرة في كل زمان ومكان للمؤمنين المستضعفين الصابرين.
الجمع بين {أَئِمَّةً} و{الْوَارِثِينَ}:
كمال التمكين؛ فالإمامة ريادة روحية ودينية وعلمية، والوراثة سيادة مادية وتمكين في الأرض؛ فجمع الله لهم بين خيري الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة بوعد الله وبشارة النصر:
بلسم يضمد جراح كل مستضعف مضطهد في سبيل عقيدته؛ فالظلم مهما طال ليله فإرادة الله نافذة، وعاقبة التمكين للمؤمنين الصابرين.
السعي لبناء مقومات الإمامة:
على الأمة أن تتأهل للأمانة الكبرى بالصبر واليقين والأخذ بأسباب القوة والعلم؛ فالأئمة هم الذين يقودون البشرية بالحق والعدل.