أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/555)جامع البيانالطبري١٩/٥٥٥ بسنده عن ابن عباس وقتادة والسدي: "الرجل الذي جاء من أقصى المدينة هو مؤمن آل فرعون (واسمه حزقيل أو شمعون وقيل خربيل)، كان يكتم إيمانه وكان قريباً من فرعون في مجلس المشورة والملك؛ فلما تآمر فرعون وهامان وكبراء القوم على قتل موسى قصاصاً للقبطي، خرج مسرعاً عبر طريق مختصرة ليسابق الطلب حتى وصل إلى موسى فنصحه بالفرار".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/226)مصدر غير محدد٦/٢٢٦: سُمي سعياً لسرعة مشيه وشدة إشفاقه وحرصه على نجاة موسى؛ فأخبره بالمؤامرة المبيتة في قوله: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}: من أبعد أطرافها؛ وهو قصر فرعون ومجمع وزرائه.
{يَسْعَىٰ}: يسرع ويهرول في مشيه بنشاط وحرص وإشفاق لإنقاذ الموقف قبل فوات الأوان.
{الْمَلَأَ}: كبراء القوم وأشرافهم ووجهاء قصر فرعون وأهل الحل والعقد.
{يَأْتَمِرُونَ بِكَ}: يتشاورون ويتبادلون الرأي والأمر في كيفية القضاء عليك وتدبير قتلك.
{مِنَ النَّاصِحِينَ}: المخلصين في النصح المحبين لنجاتك دون أي غرض دنيوي.
{لِيَقْتُلُوكَ}: اللام لام التعليل، يقتلوك مضارع منصوب بأن مضمرة بحذف النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به.
{فَاخْرُجْ}: الفاء فصيحة، اخرج فعل أمر وفاعله مستتر أنت.
{إِنِّي}: إن واسمها. {لَكَ}: متعلقان بالناصحين.
{مِنَ النَّاصِحِينَ}: جار ومجرور في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدبير الرباني بإرسال النجدة في الوقت الحاسم:
في أوج الأزمة وحصار الخطر، يسخر الله لموسى رجلاً من عقر دار فرعون يقطع المسافات سعياً وهرولة ليحذره قبل وصول جند فرعون؛ مما يبرز كيف يهيئ الله لأوليائه أسباب النجاة من حيث لا يحتسبون؛ لتبدأ رحلة الهجرة النبوية المباركة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فضيلة النصح والشجاعة في قول الحق وكتمان الإيمان:
محاكمة حركية وأخلاقية:
تصرف هذا الرجل يجسد قمة الشهامة والشجاعة النبيلة؛ فقد خاطر بمنصبه ومكانته في القصر وحياته كلها لإنقاذ موسى عليه السلام؛ والآية تبرهن على مشروعية كتمان الإيمان واستخدام النفوذ والمكانة السياسية في نصرة المظلومين وتفويت مؤامرات الطغاة؛ فالنصح الصادق عبادة كبرى.