أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/602)جامع البيانالطبري١٩/٦٠٢ بسنده عن قتادة ومجاهد: "يقول تعالى ذكره: ولولا أن تصيب هؤلاء المشركين من قومك يا محمد عقوبة وعذاب من الله عاجل أو آجل بكفرهم وظلمهم وما كسبت أيديهم، فيحتجوا علينا ويقولوا يوم القيامة: {رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} ينبهنا على توحيدك ويهدينا إلى شرعك فنتبع آياتك ونكون من المصدقين؛ لما أرسلناك إليهم، ولكن أرسلناك لقطع هذه الحجة وإبطال هذا العذر، ولتتم حجتنا عليهم".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/239)مصدر غير محدد٦/٢٣٩: هذا مقتضى عدل الله التام؛ إذ لا يعذب قوماً حتى يقيم عليهم الحجة الرسالية القاطعة كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَلَوْلَا}: حرف امتناع لوجود، تفيد التعليق الشرطي.
{تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ}: ينزل بهم عذاب ونكال وبلاء عاجل أو آجل.
{بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}: بسبب كفرهم وظلمهم وذنوبهم التي كسبوها باختيارهم.
{لَوْلَا أَرْسَلْتَ}: لولا هنا للتحضيض والتندم والطلب؛ أي هلا أرسلت إلينا.
{فَنَتَّبِعَ}: مضارع منصوب في جواب التحضيض بأن مضمرة.
الإعراب:
{وَلَوْلَا}: حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لوجود الشرط.
{أَن تُصِيبَهُم}: أن مصدرية، تصيبهم مضارع منصوب بالفتحة والهاء مفعول به والمصدر المؤول مبتدأ محذوف الخبر تقديره "موجودة".
{مُّصِيبَةٌ}: فاعل تصيبهم مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بِمَا}: الباء سببية، ما مصدرية أو موصولة.
{قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}: فعل وفاعل مرفوع بضمة مقدرة وهم مضاف إليه، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بتصيبهم.
{فَنَتَّبِعَ}: الفاء سببية واقعة في جواب التحضيض، نتبع مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر نحن.
{آيَاتِكَ}: مفعول به منصوب بالكسرة والكاف مضاف إليه.
{وَنَكُونَ}: معطوف على نتبع منصوب واسمه مستتر نحن.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: متعلقان بمحذوف خبر نكون.
وجواب "لولا" محذوف دل عليه سياق الآية السابقة والتقدير: "لما أرسلناك يا محمد ولكن أرسلناك لدفع اعتذارهم وقطع حجتهم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم ومحاصرة المعاذير:
إحكام تشريعي فائق؛ في الآية السابقة بيّن أنه أرسله رحمة لإنذار قوم لم يأتهم نذير؛ فجاءت هذه الآية لتكشف أن إرساله أيضاً كان سداً لأبواب الأعذار الباطلة؛ لئلا يقولوا عند حلول العقوبة: لم نكن نعلم ولم يرسل إلينا رسول؛ لتقوم حجة الله البالغة على كل مكلف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة العدل الإلهي وعدم التعذيب قبل الإنذار:
محاكمة أصولية كلامية:
الآية أصل أصيل عند أهل السنة في تقرير قاعدة: "لا تكليف إلا بالشرع، ولا عذاب قبل البلاغ"؛ فالعقل وإن كان يدرك قبح الشرك وحسن التوحيد إجمالاً، إلا أن الله سبحانه بكمال عدله ورحمته لا يؤاخذ العباد بالعذاب الدنيوي أو الأخروي حتى يبعث إليهم رسولاً يبين لهم الآيات ويقيم عليهم الحجة؛ قطعاً لكل شبهة ودفعاً لكل اعتذار.