أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/604)جامع البيانالطبري١٩/٦٠٤ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "لما جاء مشركي مكة القرآن ومحمد ﷺ بالحق من عند الله، لجأوا إلى التعنت والجدل العقيم وقالوا: {لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ}: أي هلا أوتي محمد كتاباً جملة واحدة في الألواح كما أوتي موسى التوراة، وهلا جاءنا بالعصا وفلق البحر واليد البيضاء كمعجزات موسى؟! فرد الله عليهم جهلهم وتناقضهم فقال: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}: أي ألم يكفر أسلافهم وفراعنتهم بما أوتي موسى من تلك المعجزات التي يطلبونها الآن؟! {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا}: أي قالوا عن موسى وهارون أو عن التوراة والقرآن: هما سحران تعاونا وتظاهرا، وقالوا: إنا بكل منهما كافرون".
وقرأ الكوفيون (عاصم وحمزة والكسائي وخلف): {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} بكسر السين وسكون الحاء وتخفيف الظاء؛ والمراد التوراة والقرآن. وقرأ باقي السبعة (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر): {سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا} بألف بعد السين وحاء مكسورة، والمراد موسى وهارون وقيل موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{الْحَقُّ}: القرآن العظيم والنبي الصادق محمد ﷺ والتوحيد القاطع.
{لَوْلَا أُوتِيَ}: هلا أُعطي ومنح على سبيل التعنت والتعجيز.
{تَظَاهَرَا}: تعاونا وتساندا وعضد أحدهما الآخر؛ من المظاهرة وهي المعاونة.
{بِكُلٍّ كَافِرُونَ}: جاحدون منكرون للرسالتين معاً دون تمييز.
{بِمَا}: متعلقان بيكفروا. {أُوتِيَ مُوسَىٰ}: فعل ونائب فاعل والصلة لا محل لها.
{مِن قَبْلُ}: متعلقان بيكفروا مبني على الضم في محل جر.
{قَالُوا}: فعل وفاعل.
{سِحْرَانِ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هما سحران"، مرفوع بالألف لأنه مثنى (أو ساحران).
{تَظَاهَرَا}: فعل ماض وألف الاثنين فاعل، والجملة نعت لسحران.
{وَقَالُوا}: معطوف على قالوا.
{إِنَّا}: إن واسمها.
{بِكُلٍّ}: متعلقان بكافرون.
{كَافِرُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف التناقض النفسي لأهل العناد:
إحاطة نفسية فاضحة؛ كانوا يتحسرون ويقولون لو جاءنا رسول لاتبعناه؛ فلما جاءهم الرسول بالحق قلبوا المجن وطالبوا بمعجزات موسى على سبيل التعنت؛ فرد القرآن عليهم ببرهان تاريخي قاطع: إن طلبكم لمعجزات موسى كذب وخداع؛ لأن المعجزات نفسها عُرضت على أسلافكم فكفروا بها ووصفوا موسى وهارون بالسحر؛ فطبيعة الكفر واحدة لا تتغير بتغير المعجزات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تكامل القراءتين في إبطال شبهة الشرك:
محاكمة لغوية وتفسيرية:
قراءة {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا}: تصف الكتابين (التوراة والقرآن)؛ حيث عجز المشركون عن معارضتهما فزعموا أنهما سحر تظاهر وأعان بعضه بعضاً.
وقراءة {سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا}: تصف الرسولين (موسى وهارون، أو موسى ومحمد) بأنهما ساحران تعاونا على سحر الناس؛
وكلا المعنيين يصدق بعضه بعضاً في كشف عناد الكفار؛ فهم يطعنون في الرسولين تارة وفي الكتابين تارة أخرى؛ والعلة في الحالتين واحدة: الهوى والتعصب الأعمى.
الاستفهام الإنكاري التقريري في {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا}:
توبيخ يقرع أسماعهم ويفضح جهلهم المركب؛ فالمعجزات الحسية ليست هي التي تولد الإيمان في القلوب المعاندة، بل الهوى هو الصارف الأكبر.
التعبير بـ {إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ}:
إظهار للوقاحة والعناد المطلق؛ فختموا جحودهم بإعلان الكفر العام بكل كتاب ورسول، مما يبرهن على أن طلبهم للمعجزات لم يكن طلباً للهداية بل للتعجيز والفرار من الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كشف ألاعيب المتشككين والمراوغين:
المعاند لا تنفعه كثرة الأدلة ولا تبديل الآيات؛ فطالما وجد الهوى استمر الجدل واختلاق الذرائع؛ والواجب على الداعية عدم الانجرار وراء طلبات التعجيز.
وحدة موكب النبوات والرسالات:
التوراة الصحيحة والقرآن كتابان من مشكاة واحدة؛ يصدق أحدهما الآخر ويدعو إلى التوحيد والهدى.