أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/598)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٨ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي من جبل الطور حين عهدنا إلى موسى وأحكمنا له أمر الرسالة والنبوة، والتكليف بإنفاذ التوراة إلى بني إسرائيل، وما كنت من الشاهدين الحاضرين لذلك الموقف حتى تخبر قومك وقريشاً بهذه الأنباء الدقيقة مفصلة، وإنما أخبرناك بها بوحينا إليك وتنزيلنا ليكون برهاناً ساطعاً على نبوتك".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/238)مصدر غير محدد٦/٢٣٨: هذا انتقال إعجازي من سرد القصة إلى التدليل بها على صدق نبوة محمد ﷺ؛ فالنبي أمي في مكة لم يشهد هذه الوقائع ولم يقرأ كتب الأوائل؛ فإخباره بها على وجه الصدق المطابق لواقعها برهان قاطع على أنه وحي من لدن عليم حكيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ}: في جانب المكان أو الجبل الغربي من طور سيناء بالنسبة لموسى.
{الْأَمْرَ}: أمر النبوة والرسالة والتشريع وتكليفه بالذهاب إلى فرعون وتنزيل التوراة.
{الشَّاهِدِينَ}: الحاضرين المشاهدين بالعيان لذلك الحدث.
الإعراب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما نافية.
{كُنتَ}: فعل ماض ناقص والتاء اسمه.
{بِجَانِبِ}: متعلقان بمحذوف خبر كنت، وجانب مضاف إلى {الْغَرْبِيِّ} من إضافة الموصوف إلى صفته (أي المكان الغربي).
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالخبر المحذوف أو بقضينا.
{قَضَيْنَا}: فعل وفاعل والجملة في محل جر مضاف إليه.
{إِلَىٰ مُوسَى}: متعلقان بقضينا.
{الْأَمْرَ}: مفعول به لقضينا منصوب بالفتحة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما نافية.
{كُنتَ}: فعل ماض ناقص والتاء اسمه.
{مِنَ الشَّاهِدِينَ}: جار ومجرور في محل نصب خبر كنت، وعلامة الجر الياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الانتقال من القصة إلى الحجة والبرهان:
انتقال استدلالي مفاجئ يخلب الألباب؛ فبعد أن سرد دقائق القصة وتفاصيل الخلجات النفسية والمشاهد الجغرافية بدقة مذهلة، التفت فوراً إلى شخص النبي ﷺ وإلى قريش: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ...}؛ فمن أين لك هذا العلم المستقصي التام وأنت لم تحضر ولم تشهد؟! إنه الوحي الإلهي الصادق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة النقل التاريخي والشهادة العيانية:
محاكمة معرفية وتاريخية:
يزعم الملاحدة والمستشرقون أن النبي ﷺ أخذ هذه القصص من أفواه الركبان أو الرهبان؛ والآية تقطع دابر هذا الادعاء:
النبي ﷺ نشأ في مكة أمياً لا يقرأ ولا يكتب بشهادة أعدائه طوال أربعين سنة.
بيئة مكة وثنية لا علم لها بدقائق التوراة وتفاصيل قصة موسى في مدين والطور.
لو كان نقلاً من بشر لكشفه كفار قريش وهم أحرص الناس على الطعن في نبوته، ولكنهم عجزوا وبُهتوا أمام دقة هذه الحقائق؛ فكان ذلك دليلاً عقلياً قاطعاً على مصدره الإلهي.