أخرج الطبري في "جامع البيان" (19/537)جامع البيانالطبري١٩/٥٣٧ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والحسن في قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا}: "قالوا: فارغاً من كل همّ من أمور الدنيا إلا من ذِكْر موسى، وطار عقلها ولوعتها لما سمعت أن التابوت وقع في يد آل فرعون، حتى كادت تصيح من شدة الوجد فتقول: يا ابناه!".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/222)مصدر غير محدد٦/٢٢٢: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي كادت لتظهر أمره وتقول: هو ابني، من شدة ما نزل بها من الفزع والوجد والدهشة، {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} أي ثبتناها بالصبر وأفرغنا السكينة واليقين في قلبها؛ لتكون من المصدقين بوعد الله حين قال لها: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فُؤَادُ}: الفؤاد باطن القلب وهو موضع التأثر والاحتراق بالمشاعر والانفعالات.
{فَارِغًا}: خلا من كل عقل وفكر وشغل سوى طفلها ومصيره.
{لَتُبْدِي بِهِ}: الإبداء هو الإظهار والكشف؛ أي لتصيح وتخبر بأنه ابنها من فرط الفزع.
{رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}: الربط على القلب شده وتثبيته بالسكينة والصبر لئلا يضطرب أو ينهار تحت وطأة المصيبة.
الإعراب:
{وَأَصْبَحَ}: فعل ماض ناقص ناسخ.
{فُؤَادُ}: اسم أصبح مرفوع بالضمة، وهو مضاف إلى {أُمِّ}، وأم مضاف إلى {مُوسَىٰ}.
{فَارِغًا}: خبر أصبح منصوب بالفتحة الظاهرة.
{إِن}: مخففة من الثقيلة مهملة.
{كَادَتْ}: كاد فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي.
{لَتُبْدِي}: اللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة، تبدي مضارع مرفوع بضمة مقدرة، وفاعله مستتر، والجملة في محل نصب خبر كادت.
{بِهِ}: متعلقان بـ{تُبْدِي}.
{لَوْلَا}: حرف امتناع لوجود شرطي غير جازم.
{أَن رَّبَطْنَا}: أن مصدرية، ربطنا فعل وفاعل، والمصدر المؤول مبتدأ محذوف الخبر تقديره "لولا ربطنا موجود"، وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله؛ أي لكادت تبدي به.
{عَلَىٰ قَلْبِهَا}: متعلقان بـ{رَبَطْنَا}.
{لِتَكُونَ}: اللام لام العاقبة أو التعليل، تكون مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر هي.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور في محل نصب خبر تكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التصوير الإعجازي لخلجات الأمومة الفطرية:
بعد أن صوّر المشهد في قصر فرعون ورسوخ موسى فيه، عاد السياق فوراً إلى بيت الأم الفقيرة المستضعفة ليرصد نبض قلبها ولوعتها؛ فالقرآن لا يغفل البعد الإنساني الفطري العميق؛ لتكتمل اللوحة الإيمانية بين التدبير الإلهي الخارجي وتثبيت النفوس الباطني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط الإلهي وأثره في الثبات النفسي:
محاكمة نفسية وعقدية:
الإنسان مهما بلغت شجاعته وإيمانه تغلبه الفطرة الإنسانية عند النوازل الكبرى والفواجع الكارثية، ولا سيما عاطفة الأمومة؛ فلولا أن الله يربط على القلوب بالسكينة لطاشت العقول وانهارت النفوس؛ ولهذا قال: {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}؛ مما يقرر أصلاً عقدياً عظيماً: أن الثبات ليس فضيلة ذاتية محضة، بل هو محض تثبيت ونعمة من الله تعالى؛ فمن استند إلى حوله وقوته هلك، ومن سأل الله التثبيت ثبته وربط على قلبه.
قال أولاً: {فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ} لأن الفؤاد يوصف بالتفؤد وهو التوقد والتأثر بالحرارة والألم؛ ثم قال ثانياً: {رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} لأن القلب هو موضع العقل والقرار واليقين الراسخ؛ فسكن الفؤاد بربط القلب.
التعبير بـ {فَارِغًا}:
إيجاز بليغ يصف الاستغراق التام لمشاعر الأم؛ فلم يبق في فؤادها متسع لأي خاطر ولا طعام ولا شراب ولا حياة، فكل ذرة في كينونتها معلقة بذلك الرضيع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اللجوء إلى الله لطلب السكينة والربط على القلب:
عند حلول المصائب والفتن، أعظم زاد يطلبه العبد هو الربط الإلهي؛ فالمؤمن يدعو دائماً: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، ويستنزل السكينة بالذكر وتلاوة القرآن.
تقدير المشاعر الإنسانية في التربية:
الإسلام لا يكبت العواطف الإنسانية كالحزن والخوف الفطري، بل يعالجها ويهذبها باليقين والرضا بالقضاء والقدر.