أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/620)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٠ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره منذراً قريشاً: وكثير من أهل القرى أهلكناهم بالعذاب لما بطروا معيشتهم؛ أي طغوا وأشروا وتكبروا في نعم الله ولم يشكروها، فعاقبناهم بالاستئصال، فها هي ديارهم ومساكنهم خاوية على عروشها يشاهدها المسافرون في طريق الشام كمدائن صالح وقرى قوم لوط، لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً للمارة وابن السبيل يستظلون بها ساعة، وكنا نحن الوارثين لأموالهم وديارهم بعد فنائهم".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/245)مصدر غير محدد٦/٢٤٥: حذرهم الله من البطر في النعم؛ فإن كفران النعم والاستكبار سبب مباشر لزوال الرخاء ونزول قارعة الهلاك.
{مَسَاكِنُهُمْ}: ديارهم وقصورهم ومنازلهم التي عمرت بالبطر.
{إِلَّا قَلِيلًا}: إلا زمناً يسيراً ينزل فيها المسافر ليستريح ثم يرتحل، أو دياراً قليلة.
{الْوَارِثِينَ}: الباقين بعد فناء الخلق جميعاً، المالكين لكل شيء بلا شريك.
الإعراب:
{وَكَمْ}: الواو استئنافية تحذيرية، كم خبرية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لأهلكنا.
{أَهْلَكْنَا}: فعل وفاعل.
{مِن قَرْيَةٍ}: تمييز كم مجرور بمن.
{بَطِرَتْ}: فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر هي، والجملة في محل جر نعت لقرية.
{مَعِيشَتَهَا}: مفعول به لبَطِرَت على تضمين معنى كفرت، أو منصوب بنزع الخافض (بطرت في معيشتها)، أو تمييز.
{فَتِلْكَ}: الفاء فصيحة، تلك اسم إشارة مبتدأ.
{مَسَاكِنُهُمْ}: بدل أو خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
{لَمْ تُسْكَن}: لم جازمة، تسكن مضارع مبني للمجهول مجزوم، ونائب الفاعل مستتر هي، والجملة خبر أو حال.
{مِّن بَعْدِهِمْ}: متعلقان بتسكن.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{قَلِيلًا}: مستثنى منصوب أو نائب عن ظرف الزمان (إلا وقتاً قليلاً).
{وَكُنَّا}: كان واسمها.
{نَحْنُ}: ضمير فصل وتوكيد.
{الْوَارِثِينَ}: خبر كان منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحذير بمصارع الأمم الباطرة:
تعقيب مباشر يقرع قلوب قريش؛ بعد أن بينوا خوفهم الموهوم من الفقر والتخطف إن آمنوا، خوّفهم الله بالخوف الحقيقي الذي يجب أن يحذروه؛ وهو بطر النعمة وكفرانها؛ فكم من أمم كانت أوسع منكم عيشاً وأعظم نعيماً، فبطرت وكفرت الرسل، فأهلكهم الله وبقيت مساكنهم أطلالاً موحشة؛ فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شؤم البطر والرخاء غير المشكور:
محاكمة سننية واجتماعية:
الآية تضع إصبعها على أخطر أسباب سقوط الحضارات والدول: وهو "البطر" والترف المفرط المقترن بالفساد الأخلاقي وإنكار الخالق؛ فالرخاء إذا لم يُحفظ بالشكر والعدل وإقامة الشريعة تحول إلى استدراج يعقبه الاستئصال الحتمي؛ فالبطر يفسد النفوس ويمزق النسيج الاجتماعي ويفضي إلى الدمار.
استحضار المشهد العياني؛ ديار عاد وثمود وقوم لوط تقع على طريق قوافل قريش إلى الشام يرونها بأعينهم صباح مساء؛ ليكون الدليل حسياً مشاهداً لا يقبل الإنكار.
ختام الآية بـ {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}:
توكيد بضمير الفصل {نَحْنُ} لبيان الفناء المطلق لكل الطغاة وأموالهم وقصورهم، وتفرد الله الدائم بالبقاء والملك؛ فما ملكوه لم يكن سوى عارية مستردة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):