أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/632)جامع البيانالطبري١٩/٦٣٢ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره فاتحاً باب الرحمة والرجاء: فأما من رجع في الدنيا عن شركه وكفره إلى التوحيد، وصدق بمحمد ﷺ والقرآن، وعمل بطاعة الله وأداء فرائضه، فعسى أن يكون يوم القيامة من الفائزين الناجين من النار، الخالدين في جنات النعيم؛ وعسى من الله واجبة متحققة؛ لأن الله كريم لا يخلف رجاء من رجاه".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/248)مصدر غير محدد٦/٢٤٨: {فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}؛ قال ابن عباس: كل عسى في القرآن من الله فهي واجبة وواقعة لا محالة؛ تفضلاً منه وإحساناً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{تَابَ}: رجع عن الشرك والمعاصي بالندم والإقلاع والإنابة في دار الدنيا.
{وَآمَنَ}: صدق بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر بيقين خالص.
{وَعَمِلَ صَالِحًا}: قام بالطاعات والفرائض واجتنب المحرمات موافقاً لشرع الله.
{عَسَىٰ}: حرف ترجٍ وتوقع للفضل؛ والرجاء من الكريم سبحانه وعد متحقق.
{الْمُفْلِحِينَ}: الفائزين بالظفر بالجنة والنجاة من العذاب والنار.
الإعراب:
{فَأَمَّا}: الفاء استئنافية تفصيلية، أما حرف تفصيل وشرط.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{تَابَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَآمَنَ}: معطوف على تاب.
{وَعَمِلَ}: معطوف على ما قبله.
{صَالِحًا}: مفعول به أو صفة لمفعول مطلق محذوف (عملاً صالحاً).
{فَعَسَىٰ}: الفاء رابطة لجواب أما، عسى فعل ماض جامد للترجي.
{أَن يَكُونَ}: المصدر المؤول اسم عسى أو فاعلها، واسم يكون مستتر هو.
{مِنَ الْمُفْلِحِينَ}: جار ومجرور في محل نصب خبر يكون، وجملة عسى في محل رفع خبر المبتدأ من.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فتح باب الأمل بعد مشاهد الوعيد الصاعقة:
جماليات الرحمة الإلهية؛ بعد أن أورد مشاهد التقريع والخرس والعذاب لمن كذب بالمرسلين، فتح الباب واسعاً للتدارك والتوبة ما دام الإنسان في دار المهلة؛ لئلا ييأس عاصٍ أو مشرك؛ فبين شروط النجاة الثلاثة: التوبة، والإيمان، والعمل الصالح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التعبير بـ {عَسَىٰ} مع كون وعد الله واجباً:
محاكمة عقدية وسلوكية:
لماذا قال: {فَعَسَىٰ} ولم يقل: "فهو من المفلحين" جزماً؟
والجواب المحكم:
لتربية العبد على الموازنة الدائمة بين الخوف والرجاء؛ فلا يغتر العبد بعمله ولا يتكل على مجرد طاعته؛ بل يبقى وجلاً يرجو فضل ربه ويخشى عذابه؛ فالنجاة برحمة الله وفضله.
وعسى من الله الكريم سبحانه واجبة ومتحققة قطعاً؛ لأن الكريم إذا أطمع في الخير أناله ولم يخيب سائله؛ فجمعت الآية بين تهذيب سلوك العبد بالخوف والرجاء، وبين طمأنينة قلبه بكرم ربه.
بدأ بالتخلية {تَابَ} بالتطهر من أدران الشرك والذنوب، ثم التحلية بالأصل العقدي {وَآمَنَ}، ثم الثمرة والبرهان العملي {وَعَمِلَ صَالِحًا}؛ فلا تنفع توبة بلا إيمان، ولا يستقيم إيمان بلا عمل صالح.
تنكير {صَالِحًا}:
ليشمل كل عمل بر وخير؛ من الصلاة والزكاة والصدق والجهاد وبر الوالدين والإحسان إلى الخلق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترغيب العصاة والمقصرين في المبادرة للتوبة:
التوبة تجبّ ما قبلها والإسلام يهدم ما كان قبله؛ فمهما عظم ذنب الإنسان فإن عفو الله أوسع لمن أناب وآمن وعمل صالحاً.
الجمع بين العمل الصالح وحسن الرجاء بالله:
المؤمن يجتهد في العمل الصالح كأنه لا ينجو إلا به، ويتوكل على فضل الله كأنه لم يقدم عملاً قط.