قال الطبري في "جامع البيان" (19/557)جامع البيانالطبري١٩/٥٥٧: "يقول تعالى ذكره: فخرج موسى من مصر مسرعاً على عقبيه بغير زاد ولا راحلة ولا خادم ولا معرفة بالطريق، خائفاً من فرعون وقومه أن يدركوه فيقتلوه، يتلفت في سيره حذراً، داعياً ربه متضرعاً: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي خلصني من كيدهم وبطشهم بحولك وقوتك".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/227)مصدر غير محدد٦/٢٢٧: خرج متجرداً متوجهاً إلى بلاد مدين تلقاء الشام التي لا سلطان لفرعون عليها، ممتلئاً بالتوكل والافتقار إلى الله تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فَخَرَجَ}: الفاء عاطفة للتعقيب والسرعة الفورية دون تردد.
{مِنْهَا}: أي من مدينة مصر عاصمة ملك فرعون.
{خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}: خائفاً من بطشهم، يترقب لحوق الجند به في كل لحظة.
{نَجِّنِي}: التنجية هي التخليص من الشدة والمهلكة وإيصاله إلى بر الأمان.
{الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: فرعون وملأه الذين استباحوا الدماء بغير حق وعاثوا في الأرض فساداً.
الإعراب:
{فَخَرَجَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو.
{مِنْهَا}: متعلقان بـ{خَرَجَ}.
{خَائِفًا}: حال أولى منصوبة بالفتحة الظاهرة.
{يَتَرَقَّبُ}: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والجملة في محل نصب حال ثانية.
{نَجِّنِي}: فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل أنت، والنون للوقاية والياء مفعول به.
{مِنَ الْقَوْمِ}: متعلقان بنجني.
{الظَّالِمِينَ}: نعت للقوم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الامتثال وقوة الالتجاء:
تعقيب الخروج بالفاء {فَخَرَجَ} يوضح سرعة استجابة موسى لنصيحة الرجل المؤمن دون توانٍ؛ وقرن خروجه المادي بالدعاء القلبي الضارع {رَبِّ نَجِّنِي} ليرتبط الأخذ بالسبب الظاهر (الفرار) بحبل التوكل الباطن (الدعاء والافتقار).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الخوف الجبلي الفطري ومقامات الأنبياء:
محاكمة عقدية وسلوكية:
كرر القرآن وصف موسى بالخوف {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا}، {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}؛
وهذا الخوف ليس خوف جبن وخور وضعف إيمان، بل هو الخوف الجبلي الفطري الطبيعي الذي ركبه الله في غريزة البشر من مباغتة الأعداء والوحوش والأخطار؛ وهو جائز بل واجب على الأنبياء لحفظ أرواحهم التي حملت رسالة الله؛ والفرق بين خوف المؤمن وخوف الكافر أن المؤمن يلجأ في خوفه إلى ربه بالدعاء والتوكل: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي}.