البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 290)مصدر غير محدد١٨/٢٩٠ عن ابن عباس وقتادة والضحاك: لما بلغ طغيان قارون ذروته، واستعرض زينته، ورد نصيحة الصالحين، وأراد فتنة المؤمنين وبغى عليهم، أمر الله الأرض أن تبتلعه وتبتلع قصره وداره وكنوزه، فانشقت الأرض من تحته فهوى فيها هو وداره وما يملك، وهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة.
وقوله: {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ}: أي تلاشت كل الحواشي والأتباع والحراس والخدم والجيوش الذين كان يتبختر بهم، فما استطاع أحد منهم أن يمد له يداً أو يدفع عنه قدر الله المحتوم.
{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ}: أي وما استطاع هو في نفسه أن ينتصر لنفسه أو يمنعها من الهلاك بقوته أو ثروته وعلمه المزعوم.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 255)مصدر غير محدد٦/٢٥٥: "عوقب بنقيض قصده؛ فلما استعلى في الأرض وبغى وتكبر، أنزله الله إلى أسفل سافلين وخسف به وبداره الأرض، والجزاء من جنس العمل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
فَخَسَفْنَا: الخسف هو غؤور الشيء في الأرض وابتلاع الأرض له بما عليها، ومنه خسوف القمر إذا ذهب نوره وغاب.
فِئَةٍ: الجماعة الملتفة التي يرجع إليها الإنسان ويعتمد عليها في النصرة والمعونة.
الْمُنتَصِرِينَ: الممتنعين بأنفسهم أو المنتقمين لأنفسهم بقوتهم الذاتية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
هذه هي الصاعقة والذروة الحتمية لمسار الصراع؛ فبعد الخروج المتبختر في الزينة وجدل العلم والاستعلاء، لم يتأخر الانتقام الإلهي طرفة عين؛ فجاءت الفاء الفصيحة العاطفة {فَخَسَفْنَا} لتعلن إسدال الستار المأساوي على دولة البغي الرأسمالي الاحتكاري المتكبر.
التناسب التركيبي الداخلي:
القرن بين الخسف به وبداره {بِهِ وَبِدَارِهِ} لتدمير رمز الطغيان كله؛ فالدار التي كانت قبلة المفتونين ومحط أنظار الطامعين تحولت في لحظة إلى حفرة ابتلاع وقبر مروع، ثم نفي النصرة الخارجية {مِن فِئَةٍ} ونفي القدرة الذاتية على الدفاع {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عدالة العقوبة ونوعية الإهلاك:
أهلك فرعون بالغرق في الماء الذي كان يتبجح بجريان أنهاره من تحته ({وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي})، وأهلك قارون بالخسف في الأرض التي سعى فيها بالفساد واستعلى على ترابها. وهذا التطابق الإعجازي بين نوع الجريمة وطبيعة العقاب يبرز حكمة العدل الإلهي المطلق الذي يسحق المتكبرين بنفس الأدوات التي استعلوا بها.
دخول "من" الزائدة في النفي {مِن فِئَةٍ}: لاستغراق سائر أصناف الأنصار والمساعدين؛ فلم يبقَ مخلوق صغير ولا كبير استطاع نجدته.
المقابلة بين الاستعلاء والخسف: حين رفع قارون نفسه فوق الناس وفوق الحق، هوى الله به إلى أسفل طبقات الأرض؛ فالخسف أبلغ إذلال لمن أراد العلو.
الظلال التدبرية والإشارية:
قصور الباطل وقلاعه وحساباته البنكية لا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ ففي لحظة واحدة تنقلب الموازين وتتحول زينة الحياة الدنيا إلى جحيم وعبرة لمن يعتبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
اليقين بزوال الباطل مهما انتفش وعلا؛ فالداعية لا ييأس ولا ينهزم حين يرى إمكانات الأعداء الضخمة، بل يعلم أن سنة الخسف والاستئصال تتربص بكل باغٍ متكبر.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف والوجل من عقاب الله، وسؤاله سبحانه العافية والثبات.
عدم الركون إلى الحواشي والمناصب والقوى البشرية؛ فكلها تفر وتتلاشى إذا نزل قضاء الجبار.