أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/581)جامع البيانالطبري١٩/٥٨١ بسنده عن ابن عباس ومجاهد: أمره الله تعالى بالمعجزة الثانية فقال: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ}: أي أدخل كفك وذراعك في فتحة قميصك عند الصدر، {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}: أي تخرج تتلألأ نوراً كفلقة القمر من غير برص ولا بهق ولا مرض، {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ}: أي إذا خفت من العصا أو اعتراك فزع فضم يدك وجناحك إلى صدرك يذهب عنك كل خوف ورعب وتستقر نفسك، {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ}: أي الآيتان العظيمتان (العصا واليد) حجتان قاطعتان من ربك إلى فرعون وأشراف قومه؛ لأنهم خرجوا عن طاعة الله وتمادوا في الكفر والفساد.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {فَذَانِّكَ} بتشديد النون تثنية ذاك، وقرأ الباقون {فَذَانِكَ} بتخفيف النون، وهما لغتان فصيحتان في تثنية اسم الإشارة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{اسْلُكْ}: السلك هو إدخال الشيء في الشيء بلطف وسهولة.
{جَيْبِكَ}: فتحة القميص وثوبه عند الصدر والعنق.
{مِن غَيْرِ سُوءٍ}: من غير برص ولا علة ولا داء؛ بل بياض نور وضياء ساطع.
{جَنَاحَكَ}: الجناح يد الإنسان وعضده وإبطه وجنبه؛ واستعير الجناح للإنسان تشبيهاً له بالطائر.
{الرَّهْبِ}: الخوف الشديد والفزع والاضطراب.
{بُرْهَانَانِ}: البرهان هو الحجة العقلية واليقينية القاطعة التي تنير الحق وتبطل الشبهة.
الإعراب:
{اسْلُكْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر أنت.
{يَدَكَ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{فِي جَيْبِكَ}: متعلقان بـ{اسْلُكْ}.
{تَخْرُجْ}: مضارع مجزوم في جواب الطلب (اسلك)، والفاعل مستتر هي.
{بَيْضَاءَ}: حال منصوبة بالفتحة ولم تنون لمنعها من الصرف لألف التأنيث الممدودة.
{مِن غَيْرِ}: متعلقان بمحذوف نعت لبيضاء، وغير مضاف إلى {سُوءٍ}.
{وَاضْمُمْ}: عاطفة، فعل أمر والفاعل أنت.
{إِلَيْكَ}: متعلقان باضمم.
{جَنَاحَكَ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{مِنَ الرَّهْبِ}: متعلقان باضمم لبيان العلة والسببية؛ أي لأجل دفع الرهب وإزالته.
{فَذَانِكَ}: الفاء فصيحة، ذانِ اسم إشارة مبتدأ مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى، والكاف للخطاب.
{بُرْهَانَانِ}: خبر المبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى.
{مِن رَّبِّكَ}: متعلقان بنعت لبرهانان.
{إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}: متعلقان بمحذوف حال أو صلة لمحذوف (مرسلان إلى فرعون).
{وَمَلَئِهِ}: معطوف على فرعون مجرور بالكسرة.
{إِنَّهُمْ كَانُوا}: إن واسمها، وجملة كان واسمها خبر إن.
{قَوْمًا}: خبر كان منصوب بالفتحة.
{فَاسِقِينَ}: نعت لقوم منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تآزر المعجزتين في الحجة والهيبة:
كمال التجهيز الرباني لموسى؛ آية ترهيب وقوة وقهر تخضع المتكبرين (العصا)، وآية نور وضياء وجمال تبهر الأبصار دون إيذاء (اليد البيضاء)، مع توفير وسيلة نفسية لتثبيت فؤاده ورباطة جأشه عند مواجهة الطغاة {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ}؛ ليكتمل إعداده الروحي والحسي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الاحتراس في قوله {مِن غَيْرِ سُوءٍ}:
محاكمة بيانية وطبية:
كان موسى عليه السلام آدم اللون (شديد السمرة والرجولة)؛ فلما أخرج يده تتلألأ بيضاء بياضاً باهراً، احترس القرآن الكريم بقيد {مِن غَيْرِ سُوءٍ} لنفي توهم أن هذا البياض مرض جلدي كالبرص أو البهق؛ بل هو بياض نوراني متوهج يضيء كالبرق والشمس؛ تنزيهاً للأنبياء عن العاهات المنفرة وإثباتاً للمعجزة الإلهية الباهرة.
استعارة مكنية بديعة؛ شبه يديه وجنبيه بجناحي الطائر الذي إذا فزع ضمهما إلى جسده ليسكن ويهدأ؛ ليعلمه كيف يستعيد رباطة جأشه بحركة جسدية وقورة تسكن نبضات القلب وتذهب الروع.
تسمية المعجزات بـ {بُرْهَانَانِ}:
البرهان أبلغ مراتب الدليل؛ فهو لا يترك في العقل مجالاً للشك أو التردد؛ فالمعجزة ليست خفة يد ولا سحراً، بل هي برهان عقلي حسي يصدع بصدق الرسالة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوسائل الجسدية والنفسية لضبط الانفعال:
تعليم نبوي رباني في إدارة الخوف والضغط النفسي؛ فضم اليدين إلى الصدر والاسترخاء واستحضار معية الله من أسباب تسكين الرهبة والثبات في اللقاءات المصيرية.