البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 348) عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة في فواتح السور والحروف المقطعة، مبيناً أنها أسماء لله تعالى أقسم بها، وقيل هي فواتح افتتح الله بها كتابه ليعلم بها ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها، وقيل هي للتحدي والإعجاز.
ويقرر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 261) تقرير المحققين من أهل السنة والجماعة: أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور تدل دلالة قاطعة على إعجاز القرآن الكريم؛ فهذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف الهجائية التي ينطق بها العرب ويتخاطبون بها، ومع ذلك عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته بمثله أو بعشر سور أو بسورة واحدة، فدل ذلك على أنه تنزيل من حكيم حميد.
ويذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج 13، ص 323): "اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور؛ فقال جماعة: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب سر، استأثر بعلمه، ونحن نؤمن بها ونكل علمها إلى الله".
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
الم: حروف مقطعة يُنطق بأسمائها لا بمسمياتها؛ فيقال: ألف، لام، ميم، مع مد اللام والميم مداً لازماً حرفياً مثقلاً في اللام ومخففاً في الميم.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
الم: فيها أوجه إعرابية مقررة عند النحاة:
اسم للسورة في محل رفع مبتدأ، وخبره الجملة الاستفهامية بعدها: {أَحَسِبَ النَّاسُ...}.
في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هذه الم".
في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: "اتلُ الم".
لا محل لها من الإعراب مبنية على السكون كسائر الحروف المقطعة المسرودة لغرض التنبيه والإعجاز.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
افتتاح السورة بالحروف المقطعة يوقظ الأسماع ويهيئ النفوس لتلقي الصدمة الإيمانية والتقرير الحاسم في الآية التالية عن سنة الابتلاء وتمحيص القلوب، فالحروف توقظ الذهن، والسؤال بعدها يهز الوجدان.
التناسب التركيبي الداخلي:
تكرار ورود الحروف المقطعة في السور المكية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقرير قضايا التوحيد والوحي والابتلاء، وهنا جاءت مدخلاً جليلاً لأعظم موازين التفريق بين الصدق والنفاق في مسيرة الإيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة العبثية أو ورود ما لا معنى له في القرآن:
رد أئمة التحقيق على من زعم أن الحروف المقطعة لغو لا طائل تحته؛ بأن العرب كانت تفهم هذا الأسلوب البليغ في التنبيه وقطع الاسترسال، وأن مجيء القرآن مؤلفاً من هذه الحروف المألوفة مع عجز الإنس والجن عن محاكاته هو أعظم برهان عقلي حسي على أنه ليس من كلام البشر، بل من لدن رب العالمين.
براعة الاستهلال: افتتاح السورة بالصوت المفرد لشد انتباه السامع وإلقاء المهابة في روعه قبل إلقاء السؤال الاستنكاري العظيم.
الإيجاز الحرفي: دلالة الألفاظ القليلة المقتطعة على عظمة البناء القرآني وقوة تحديه.
الظلال التدبرية والإشارية:
الحروف المقطعة رسالة تسليم للعقل البشري؛ لتذكره بأنه مهما أوتي من الذكاء فإن هناك مساحات من الغيب والسر الإلهي يقف أمامها معترفاً بفقره وقصور إدراكه، مستسلماً لجلال التنزيل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
استخدام أساليب الجذب والتشويق في استهلال الخطاب الدعوي، وتهيئة المخاطبين نفسياً وفكرياً قبل الدخول في عمق القضايا الكبرى.
الآثار التربوية والوجدانية:
تعظيم كلام الله واستشعار قدسيته وحلاوته عند تلاوة فواتح السور.
ترسيخ أدب التواضع المعرفي أمام كلام الخالق سبحانه وتعالى.