البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 288)مصدر غير محدد١٨/٢٨٨ عن قتادة ومجاهد والسدي: "لما سمع صلحاء الأمة وعلماؤهم مقالة أولئك المفتونين، انتدبوا لإنقاذهم وتصحيح موازينهم المنقلبة، فقالوا: {وَيْلَكُمْ}: وهي كلمة زجر وردع عن الخطأ الشنيع، {ثَوَابُ اللَّهِ} في الدار الآخرة من الجنة والنعيم المقيم والرضوان، {خَيْرٌ} مما أوتي قارون من زهرة الدنيا الفانية، {لِّمَنْ آمَنَ} بالله ورسله {وَعَمِلَ صَالِحًا} في دنياه".
وقوله: {وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}: قال ابن عباس وقتادة: "لا يُوفّق لهذه الكلمة والمقالة الصائبة، وللجنة والعمل الصالح، إلا من صبر على طاعة الله، وصبر عن معاصيه، وصبر على شهوات الدنيا وزينتها الفاتنة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 254)مصدر غير محدد٦/٢٥٤: "هذا يدل على فضل العلم النافع؛ فإنه يعصم صاحبه عند هجوم الفتن وزخارف الباطل، ويبصره بحقائق الأمور وعواقبها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
وَيْلَكُمْ: كلمة زجر وتنبيه تستعمل للردع والتفجيع على سوء الفعل، وأصلها دعاء بالهلاك ثم استعملت للتوبيخ الزاجر.
يُلَقَّاهَا: من التلقي، أي لا يؤتاها، ولا يوفق لها، ولا يلقنها ويقبلها بقلبه وثباته.
الصَّابِرُونَ: الذين حبسوا أنفسهم على طاعة الله وكبحوا جماح أهوائهم عن شهوات الدنيا الفانية ومظاهرها الخادعة.
وَعَمِلَ صَالِحًا: معطوف، وصالحاً مفعول به أو نعت لمفعول مطلق محذوف (عملاً صالحاً).
وَلَا يُلَقَّاهَا: الواو استئنافية أو حالية، "لا" نافية، "يُلقّاها" مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة، والهاء ضمير مفعول به ثانٍ، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على الخصلة أو الجنة أو النصيحة.
إِلَّا الصَّابِرُونَ: "إلا" أداة حصر، "الصابرون" مفعول به أول في الأصل أو نائب فاعل مؤخر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الرد المباشر والميزان المضاد لكلمات المفتونين بالزينة؛ ففي مقابل {الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} يبرز القرآن فوراً صوت الحق العاقل: {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}؛ ليعلم الناس أن ترياق الفتن المادية هو العلم الإيماني العميق.
التناسب التركيبي الداخلي:
افتتاح كلام العلماء بكلمة الزجر الصريحة {وَيْلَكُمْ} يدل على شدة الموقف وضرورة الصدمة الإيجابية لردع التابعين عن السقوط في مستنقع التبعية للباطل، ثم إردافها بالحجة القطعية: {ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ}، وختامها ببيان ضريبة هذا الإدراك وهو "الصبر".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مرجع الضمير في {وَلَا يُلَقَّاهَا}:
اختلف المفسرون في مرجع ضمير المؤنث في "يلقاها" على أقوال متكاملة:
عائد على الكلمة والنصيحة الصائبة؛ أي لا يوفق لقول هذه الحكمة والنطق بها وتبني هذا الموقف إلا الصابرون.
عائد على الدار الآخرة أو الجنة أو المثوبة المفهومة من قوله {ثَوَابُ اللَّهِ}.
عائد على الخصلة الشريفة والعمل الصالح الذي ينجي من فتنة قارون وزينته. وكلها معانٍ متلازمة تثبت أن الصبر هو مفتاح الثبات والسعادة الأبدية.
المقابلة بين الطائفتين: مقابلة نفسية وفكرية بين عيون الدنيا القاصرة وعيون العلم البصيرة؛ فالأولى أسيرة اللحظة العابرة، والثانية ناظرة إلى الأبدية والمآل.
صيغة المبني للمجهول {أُوتُوا الْعِلْمَ}: إشارة إلى أن العلم الشرعي النافع عطاء إلهي محض يُصطفى له أهل الإخلاص، وليس مجرد جمع للمعلومات.
أسلوب القصر والحصر: {وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}؛ لتأكيد أن النجاة من فتن الشهوات والشبهات حكر على الصابرين.
الظلال التدبرية والإشارية:
قيمة العلم الحقيقية تظهر وقت الأزمات والفتن؛ فالجاهل تطيش به المظاهر، أما العالم الرباني فيقف كالجبل الأشم، يزن الذهب والتراب بميزان الوحي الإلهي، فيرى ما وراء الستار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
مسؤولية أهل العلم في التدخل العاجل لإنقاذ الوعي الجمعي للأمة عند طوفان الفتن؛ فالصمت في مواطن انبهار الناس بالباطل خيانة للأمانة العلمية.
الآثار التربوية والوجدانية:
ترويض النفس على الصبر؛ فبدون الصبر تنهار المقاومات أمام بريق المال والشهرة.
إيقان العبد بأن ما عند الله خير وأبقى، فتهون في عينه كل خسارة دنيوية في سبيل الحفاظ على دينه.