أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/591)جامع البيانالطبري١٩/٥٩١ بسنده عن قتادة ومجاهد والسدي: "لما أقام موسى عليه الحجة، ركب فرعون رأسه في الطغيان والعناد وادعى الربوبية أمام ملئه وقومه وقال بكبرياء: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي}، ثم التفت إلى وزيره ورئيس عماله هامان محاولاً صرف أنظار العامة ومخادعتهم فقال: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ}: أي اطبخ لي الآجر واصنع الطوب المشوي، {فَاجْعَل لِّي صَرْحًا}: أي قصراً وبناءً شامخاً شاهقاً في السماء، {لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ}: أي أنظر إليه وأراه في السماء، {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} في دعواه أن له رباً سوانا أرسله إلينا".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/235)مصدر غير محدد٦/٢٣٥: هذا منتهى الوقاحة والتكبر، والجهل المركب والتمويه الرخيص على رعيته السذج المستخف بهم؛ إذ أوهمهم أن إله موسى إنما يطلب في السماء ببناء صرح من طين، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب مفتكٍ مبهوت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{مَا عَلِمْتُ}: نفي للعلم وهو كاذب فيه مكابر للحق الذي استيقنته نفسه.
{مِّنْ إِلَٰهٍ}: الإله هو المعبود المطاع، ومن لاستغراق نفي جنس الآلهة.
{فَأَوْقِدْ}: الإيقاد إشعال النار على المادة لإنضاجها.
{عَلَى الطِّينِ}: صناعة الآجر (الطوب المحروق بالفرن)، وهي تقنية معمارية قديمة اشتهرت في الحضارات النهرية.
{صَرْحًا}: الصرح هو البناء العالي الشاهق المكشوف الظاهر.
{أَطَّلِعُ}: أصعد وأشرف وأنظر نظراً محققاً من مكان علو.
الإعراب:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ}: فعل وفاعل.
{يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ}: يا حرف نداء، أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم والهاء للتنبيه، والملأ بدل مرفوع بالضمة.
{مَا}: نافية.
{عَلِمْتُ}: فعل وفاعل.
{لَكُم}: متعلقان بعلمت.
{مِّنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{إِلَٰهٍ}: مجرور لفظاً منصوب محلاً مفعول به لعلمت.
{إِلَىٰ إِلَٰهِ}: متعلقان بأطلع، وإله مضاف إلى {مُوسَىٰ}.
{وَإِنِّي}: الواو حالية أو استئنافية، إن واسمها.
{لَأَظُنُّهُ}: اللام المزحلقة، أظنه مضارع ومفعوله الأول، والفاعل مستتر أنا.
{مِنَ الْكَاذِبِينَ}: جار ومجرور خبر ثان لأظن أو في محل نصب مفعول ثان، وجملة أظنه في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسرحية الاستخفاف وتشتيت الجماهير:
مشهد استبدادي فج صوره القرآن بدقة؛ فرعون عجز عن مقارعة براهين موسى، فلجأ إلى الاستعراض الإعلامي البصري؛ فأعلن نفي وجود إله غيره لملئه، ثم وجه أمراً درامياً لوزيره هامان ببناء صرح خرافي ليطلع إلى السماء؛ ليوهم الجماهير الساذجة أنه يبحث عن الحقيقة عملياً، وليصرف أنظارهم عن جوهر القضية وهو توحيد الله والعدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لقرون طويلة زعم بعض النقاد أن الفراعنة كانوا يبنون بالصخور والأحجار الضخمة فقط كالأهرامات، فكيف يقول القرآن: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ}؟!
وجاءت الاكتشافات الأثرية الحديثة لتبهر العالم؛ حيث كشفت الحفريات في شرق الدلتا (أرض قانتير ورعمسيس عاصمة فرعون الخروج) أن القصور والمباني الملحقة والصروح في ذلك العصر الفرعوني تحديداً كانت تبنى من "الطوب اللبن المشوي بالأفران" (الآجر الطيني المحروق)؛ لأن الأحجار كانت تخصص للقبور والمعابد فقط؛ فمن أخبر النبي الأمي ﷺ بأن فرعون أمر هامان بالإيقاد على الطين لبناء صرحه إلا الوحي الإلهي المعجز؟!
دخول "مِن" الاستغراقية ينفي أدنى احتمال لوجود إله يعلمه؛ وهو قمة الكبرياء الكاذب؛ فالطاغية ينكر علمه بوجود إله ليوهم قومه بأن عدم علمه دليل على عدم الوجود!
التردد الماكر في قوله {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}:
عبّر بالظن {لَأَظُنُّهُ} مع تأكيده باللام؛ لإظهار التشكيك المتلبس برداء البحث الموضوعي؛ ليخادع قومه بأنه لن يجزم بكذبه حتى يبني الصرح وينظر بنفسه! قمة المكر السياسي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أساليب التضليل الإعلامي في النظم المستبدة:
ديدن الطغاة اختلاق المشاريع الاستعراضية الوهمية لتشتيت وعي الشعوب وصرفهم عن المطالبة بالحقوق العادلة والحرية والإيمان.
خطورة استخفاف الشعوب وجهلها:
فرعون ما كان ليتجرأ على هذا السفه إلا لعلمه بجهل قومه وتفريطهم في عقولهم كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}؛ فالعلم والوعي حماية للأمم من التضليل.