البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {لرادك إلى معاد}، حديث: 4773) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "{لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال: إلى مكة".
وينقل الطبري (ج 18، ص 300)مصدر غير محدد١٨/٣٠٠ عن الضحاك وغيره: أن هذه الآية نزلت بالجحفة وقت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، حين وقف والتفت إلى مكة بحزن وحنين، فأنزل الله عليه هذه الآية بشارة وتثبيتاً ووعداً صادقاً بأنه سيعيده إليها ظاهراً منصوراً عزيزاً فاتحاً.
وعن ابن عباس والحسن ومجاهد أيضاً: "إلى معاد أي إلى يوم القيامة، وقيل إلى الجنة، وقيل إلى الموت". وأشهر الأقوال وألصقها بسياق السورة هو الرجوع إلى مكة؛ كما عاد موسى إلى مصر منتصراً بعد خروجه منها خائفاً يترقب.
وقوله: {فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ}: أي أوجب عليك تلاوته والعمل بما فيه وتبليغ أحكامه للناس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
فَرَضَ: أوجب وألزم وفرق الأحكام وحدّ الحدود بياناً وحكماً لازماً.
لَرَادُّكَ: الرد هو الإرجاع إلى المكان الأول أو الحال الأولى بعد المفارقة.
مَعَادٍ: اسم مكان أو زمان من العود، وهو الموضع أو اليوم الذي يعود إليه الإنسان ويرجع إليه؛ ونكر هنا للتعظيم والتفخيم.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
إِنَّ الَّذِي: "إن" حرف توكيد ونصب، "الذي" اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم إن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
هذا هو الإحكام البديع وخاتمة المطاف في تناسق السورة؛ فالسورة في مطلعها قصت قصة موسى عليه السلام حين خرج من وطنه خائفاً يترقب، ثم ردّه الله إلى أهله ووطنه رسولاً منصوراً، ثم ختمت السورة بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم حين أُخرج من مكة بأن الذي رد موسى بعد طول غياب سيردك حتماً إلى وطنك ومسقط رأسك مكة فاتحاً منصورا.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد الوعد بـ "إنّ" واللام المزحلقة {لَرَادُّكَ} لتبديد كل حزن وبث اليقين المطلق في قلب النبي المستضعف المهاجر، ثم أمره بمفاوضة المكذبين بروح التوكل والاستعلاء الإيماني: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إعجاز الغيب وتحقق الوعد النبوي:
تعد هذه الآية من أعظم براهين النبوة وإعجاز القرآن الغيبي الصادق؛ فقد نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم طريد ملاحق من قريش ليس معه إلا صاحبه أبو بكر، فوعده الله بأنه سيعود إلى هذا البلد نفسه، وبعد ثماني سنوات فقط دخل النبي مكة فاتحاً في عشرة آلاف مدججين بالسلاح، وكسر الأصنام وهو يتلو: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}، فتحقق الوعد حرفياً كما أخبر القرآن.
التنكير في {مَعَادٍ}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي إلى معاد عظيم الشأن، جليل الأثر، تتبدل فيه موازين القوى وتخضع له رقاب الجبابرة.
التعبير بالصلة {الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ}: لربط النصر والعودة بحمل الرسالة؛ فالذي كلفك بهذا الكتاب العظيم لن يضيعك ولن يتركك للمشركين، بل سيكتب لك النصر التام.
الظلال التدبرية والإشارية:
سنن الله لا تتبدل؛ من خرج في سبيل الله وماتت رغباته من أجل دعوة الحق، سيعوضه الله العز والتمكين والرجوع الظافر؛ فالخروج لله دائماً يعقبه معاد كريم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تثبيت قلوب الدعاة في أحلك ساعات الابتزاز والتهجير والغربة؛ واليقين بوعد الله بالنصر والعودة، مع الاستمساك بفرائض القرآن وأحكامه في المنشط والمكره.
الآثار التربوية والوجدانية:
حب الأوطان غريزة بشرية يقرها الإسلام، وتوظيف ذلك الحب لخدمة الدين وعمارة الأرض بالتوحيد.
تفويض الحكم والنتيجة إلى علم الله وحكمته: {رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ}.