البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 298)مصدر غير محدد١٨/٢٩٨ عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: "{مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ}: أي بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) والعمل الصالح الخالص لله، {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي فله جزاء أفضل وأعظم منها؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، مع ما يناله من الخلود والأمن والرضوان.
{وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ}: بالشرك والمعاصي، {فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أي لا يعاقبون إلا بمثل سيئاتهم بالعدل والقسط دون زيادة ولا ظلم، كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 258)مصدر غير محدد٦/٢٥٨: "هذا يبرز تفاوت التعامل الإلهي بين الفضل والعدل؛ فمع أهل الطاعة يعاملهم بمقتضى الفضل والإحسان ومضاعفة الثواب، ومع أهل المعصية والشرك يعاملهم بمقتضى العدل المجرد دون أن يظلمهم مثقال ذرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
الْحَسَنَةِ: كل ما حسنه الشرع وأمر به وحبه الله، ورأسها التوحيد والإيمان والفرائض.
السَّيِّئَةِ: كل ما ساء عاقبته وقبحه الشرع ونهى عنه، ورأسها الشرك والكبائر.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
مَن جَاءَ: "من" اسم شرط جازم مبتدأ، "جاء" ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر.
بِالْحَسَنَةِ: متعلقان بجاء.
فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا: الفاء رابطة لجواب الشرط، "له" متعلقان بمحذوف خبر مقدم، "خير" مبتدأ مؤخر، "منها" جار ومجرور متعلقان بخير (إما للتفضيل أي أعظم منها، أو للتبعيض والبدلية أي خير حاصل بسببها)، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ: معطوفة على الجملة السابقة وإعرابها نظيرها.
فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ: الفاء رابطة للجواب، "لا" نافية، "يُجزى" مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة، "الذين" نائب فاعل مبني في محل رفع، وعدل عن الإضمار إلى الاسم الموصول لتسجيل علة الحكم عليهم وهي عمل السيئات.
إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: "إلا" أداة حصر، "ما" اسم موصول في محل نصب مفعول به ثانٍ ليجزى، وجملة "كانوا يعملون" صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بعد أن بينت الآية السابقة أن الدار الآخرة للمتقين، فصلت هنا قانون المحاسبة والجزاء في تلك الدار؛ لتفتح أبواب الرجاء الواسع أمام أهل الإحسان بالفضل المضاعف، وتغلق أبواب اليأس والظلم أمام سائر الخلائق بالعدل التام.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة بين ميزان الفضل في جانب الحسنات وميزان العدل في جانب السيئات؛ فالأول قوبل بالتفضيل {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}، والثاني قوبل بالحصر والمماثلة الدقيقة {إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفسير كون الجزاء {خَيْرٌ مِّنْهَا}:
قد يسأل سائل: كيف يكون الجزاء خيراً من الحسنة والتوحيد هو أعظم الأشياء؟
الجواب: "خير منها" أي خير له وأنفع في المآل؛ لأن عمل العبد حسنة محدودة في زمن يسير، وثواب الله عليها نعيم أبدي غير مقطوع ولا ممنوع، فالجزاء يفوق العمل كماً وكيفاً وبقاءً، فهو خير للمؤمن من عمله المحدود.
الإظهار في موضع الإضمار: في قوله: {فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ}؛ وكان مقتضى السياق أن يقال "فلا يجزون"، لكنه أظهر الموصول وصلته للتنصيص على قبح صنيعهم وبيان أن علة العقاب هي مباشرتهم للسيئات لا ظلم من الله.
الحصر والاستثناء بـ {إِلَّا}: لتأكيد نفي الزيادة في العقاب ونفي الظلم نفياً قاطعاً؛ فميزان جهنم عدل لا جور فيه.
الظلال التدبرية والإشارية:
التعامل مع الله أربح تجارة؛ تدفع القليل الفاني وتأخذ الكثير الباقي، والسيئة بواحدة مع إمكان العفو والمغفرة، والحسنة بعشر أمثالها، فما يهلك على الله بعد هذا البيان إلا هالك مغبون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الموازنة في الخطاب الدعوي بين الخوف والرجاء، وترغيب الناس برحمة الله وفضله ومضاعفته للحسنات، وتحذيرهم من التمادي في السيئات مع بيان عدالة القضاء الإلهي.
الآثار التربوية والوجدانية:
استصغار العبد لعمله الصالح مهما عظم؛ لأن الثواب المترتب عليه محض فضل رباني وليس ثمناً وافياً لنعمة الله.
الإقلاع الفوري عن السيئات خشية أن يؤاخذ العبد بمرارتها وعقوبتها العادلة في الدارين.