البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 281)مصدر غير محدد١٨/٢٨١ عن مجاهد وقتادة والسدي: "ونزعنا من كل أمة شهيداً: أي أخرجنا وأحضرنا من كل أمة رسولها ونبيها الذي أرسلناه إليهم يشهد عليهم بما أجابوه، كما قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 251)مصدر غير محدد٦/٢٥١: "وقوله: {فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أي هاتوا حجتكم ودليلكم على ما كنتم تعبدون من الشركاء، {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} أي أيقنوا حينئذ أن الحجة البالغة والملك والألوهية لله وحده، ولا حجة لهم ألبتة، {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي غاب عنهم وتلاشى ما كانوا يزعمونه من شفاعة الأصنام ونصرتها".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 319)مصدر غير محدد١٣/٣١٩ أن "النزع" هنا يدل على الاصطفاء والإبراز بقوة وهيبة لموقف الفصل والشهادة العظمى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
نَزَعْنَا: النزع هو الجذب والقلع والإخراج بشدة وسرعة، واستعمل هنا في إبراز الشاهد واختياره من بين سائر الأمة ليقف موقف التمييز والشهادة.
شَهِيدًا: هو النبي المبلغ أو العدول من أتباعه، وصيغة فعيل تدل على تمكن الوصف وثبوته.
بُرْهَانَكُمْ: البرهان هو الدليل القاطع والحجة النيرة الفاصلة التي تبيّض وجه صاحبها وتبلج الحق.
ضَلَّ: غاب وتلاشى وذهب ضياعاً لا رجعة فيه.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَنَزَعْنَا: الواو عاطفة، "نزعنا" فعل ماضٍ وفاعله نون العظمة.
أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ: "أن" حرف توكيد ونصب، "الحق" اسمها، "لله" جار ومجرور خبرها، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي علموا.
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ: الواو عاطفة، "ضل" ماضٍ، "عنهم" جار ومجرور، "ما" اسم موصول مبني في محل رفع فاعل ضل، وجملة "كانوا يفترون" صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تكمل هذه الآية المشهد القضائي الإلهي العظيم؛ فبعد توبيخهم: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ}، انتقل إلى المحاكمة العلنية بإحضار الشهود (الرسل) لمواجهة الأمم المكذبة، ومطالبتهم بالبرهان العلمي، لإثبات أن الشرك لا يستند إلى أثارة من علم.
التناسب التركيبي الداخلي:
تدرج محكم: الإحضار بالشهادة {وَنَزَعْنَا}، ثم الإلزام بطلب الدليل {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}، ثم إفلاس المعاندين وانكشاف الحق {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ}، ثم تبدد الأوهام والضلال {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحكيم منطق البرهان وإسقاط التخرصات:
الآية تؤسس لقاعدة إسلامية عقلية قطعية: "الدعاوى ما لم يقِم عليها برهان فأصحابها مفترون". فالله تعالى يطالبهم بالبرهان في يوم القيامة تعجيزاً لهم وإشهاراً لإفلاسهم؛ إذ كيف يتبع الإنسان ديناً أو يعبد وثناً بلا برهان؟ وهذا يبطل مذاهب الشرك والوثنية والتقليد الأعمى في كل عصر.
الاستعارة في {وَنَزَعْنَا}: تصوير خروج الشاهد من وسط الجمع الكثيف بانتزاع الشيء النفيس المتميز من مكانه بقوة وهيبة إلهية.
الأمر التعجيزي في {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}: وهو أبلغ في إظهار الخزي من مجرد تكذيبهم؛ لأن العجز عن إقامة الدليل بحضرة الشهود اعتراف صريح بالبطلان.
التأكيد في {أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ}: حصر الحق كله وثبوته لله، واندحار الباطل بلفظ {ضَلَّ} الذي يفيد التلاشي كالضائع في متاهات القفار.
الظلال التدبرية والإشارية:
يوم القيامة هو يوم سقوط الأقنعة؛ كل حجة زائفة زوّرها المنحرفون في الدنيا ستتبخر أمام نور الحق والشهداء، فلا يبقى إلا من بنى اعتقاده على صريح الوحي وبراهين اليقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
منهجية القرآن تقوم على الحجة والبرهان: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، فلا يقبل في العقائد ظن ولا هوى، والداعية مطالب بتسليح نفسه بالبراهين القطعية ومطالبة الخصوم بالأدلة لدحض باطلهم.
الآثار التربوية والوجدانية:
مراجعة المسلم لمعتقداته وأعماله والتأكد من مطابقتها للدليل الشرعي قبل أن يأتي يوم تطلب فيه البراهين.
استشعار هيبة شهادة الرسل والشهداء على الأمم، والحرص على أن يكون العبد في صف المتبعين لا في صف المحجوجين.