البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 293)مصدر غير محدد١٨/٢٩٣ عن ابن عباس والحسن وقتادة: لما رأى أولئك الذين أخذتهم زينة قار بالأمس وتمنوا أن يكون لهم مثل ماله، كيف انشقت الأرض فابتلعته وقصره في لحظات، استيقظت بصائرهم من سكرة الفتنة، وأصبحوا نادمين تائبين يقولون:
{وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ}: أي ألم تروا وتعلموا أن سعة الرزق وضيقه ليست لكرامة العبد ولا لهوانه على ربه، بل هي بمشيئة الله وحكمته وابتلائه؛ يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء.
{لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} برحمته وعصمته فلم يستجب أمنيتنا بالأمس {لَخَسَفَ بِنَا} كما خسف به؛ لأننا كنا سنشاركه الهلاك.
{وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}: أي ألم تعلموا أنه لا فلاح ولا نجاة ولا سعادة حقيقية للكافرين بنعم الله الجاحدين لفضله في الدنيا ولا في الآخرة.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 256)مصدر غير محدد٦/٢٥٦: "تغير الموقف مائة وثمانين درجة؛ فانقلبت الغبطة المذمومة إلى حمد واستغفار وندم، وتجلت حقيقة الدنيا التي لا تدوم لأحد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
بِالْأَمْسِ: اليوم السابق مباشرة، واستعمل هنا مجازاً في الزمن القريب الماضي لبيان سرعة التحول وانكشاف الغمة.
وَيْكَأَنَّ: كلمة مركبة في العربية للتنبيه والتعجب وإظهار الندم واليقين بعد الغفلة؛ قيل "وي" كلمة تعجب واستدراك، و"كأن" للتشبيه أو التحقيق واليقين بمعنى "أعلم وأرى".
يَقْدِرُ: يضيّق ويقتر بحسب الحكمة والمصلحة، ومنه {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ: الواو عاطفة، "أصبح" فعل ماضٍ ناقص من أخوات كان، "الذين" اسم أصبح مبني على الفتح في محل رفع.
يَقُولُونَ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر أصبح.
وَيْكَأَنَّ: "وي" اسم فعل مضارع بمعنى أتعجب مبني على السكون، أو كلمة تندم، و"كأن" حرف مشبه بالفعل واسمها ضمير الشأن محذوف أو مركبة معها.
اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ: اسم كأن وجملة يبسط خبرها.
لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ: متعلقات بالفعل يبسط، ومعطوف عليه.
لَوْلَا: حرف امتناع لوجود (شرط غير جازم).
أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا: "أن" حرف مصدري ونصب، "منّ" ماضٍ، "الله" فاعل، "علينا" متعلقان بمنّ، والمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف وجوباً تقديره موجود.
لَخَسَفَ بِنَا: اللام واقعة في جواب لولا، "خسف" ماضٍ مبني للمعلوم أو المجهول، وفاعله مستتر يعود على الله، و"بنا" متعلقان بخسف، والجملة جواب شرط لولا لا محل لها من الإعراب.
وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ: تكرار للتأكيد والتعجب، والهاء ضمير الشأن اسم كأن، وجملة لا يفلح الكافرون خبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
رسم مشهد ما بعد الكارثة وانعكاس الدرس التربوي والعملي على عقول الناس؛ فقد تلاشت سكرة الانبهار وحلت مكانها صحوة اليقين، فاعترفوا بخطئهم وشكروا الله أن صرف عنهم ما كانوا يتمنونه من الشر وهم يحسبونه خيراً.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة الزمنية الصاعقة بين {بِالْأَمْسِ} حين كانوا يقولون {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ}، وبين اليوم حين يقولون {لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا}؛ لبيان مدى تقلب أهواء البشر وسرعة اتعاظهم بنوازل القدر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة منع بعض العطاء الدنيوي:
تثبت الآية قاعدة عقدية وتربوية بالغة الأهمية: "كم من نعمة منعك الله إياها رحمة بك، وكم من فقر حماك به من الخسف والهلاك". فالعبد لقصور نظره يتمنى الغنى والسلطان ولو أعطيهما لطغى وبغى واستوجب العذاب؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ}. فالمنع في حق بعض العباد هو عين العطاء والمنة الإلهية.
استعمال {وَيْكَأَنَّ} وتكرارها مرتين: لإبراز شدة الدهشة، والاستدراك الفكري المفاجئ، والاعتراف بالعجز والجهل السابق أمام عظمة التدبير الإلهي.
الإيجاز الزمني بلفظ {بِالْأَمْسِ}: لتصوير سرعة سقوط إمبراطوريات المال وزوال دول الباطل، فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى تتبدل الأحوال.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين يمنع الله عنك مطلباً دنيوياً ألححت في طلبه، تذكر قارون وأولئك النادمين؛ واعلم أن تدبير الله لك خير من تدبيرك لنفسك، واحمد الله على لطفه الخفي في صرف الفتن عنك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
توظيف الأحداث الجارية ونوازل العقوبات في توجيه الناس وتصحيح مفاهيمهم؛ فالداعية يستثمر سقوط الطغاة والمفسدين ليعيد القلوب الزائغة إلى حظيرة الإيمان والاستسلام لله.
الآثار التربوية والوجدانية:
الرضا التام بقسمة الله في الأرزاق والمواهب؛ فالعطاء ابتلاء والمنع وقاية.
دوام الشكر لله على نعمة الهداية ودفع الشرور، والاستغفار من الأماني الباطلة التي تغري بها المظاهر الدنيوية.