أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/543)جامع البيانالطبري١٩/٥٤٣ بسنده: "لما جاءت أم موسى وألقت ثديها في فمه، التقمه واسترخى ودرّ اللبن في فمه وشرب حتى روي، ففرحت امرأة فرعون فرحاً شديداً، وقالت لها: الزمي هذا الغلام عندي، فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وأولادي ولكن أكفله في بيتي، فدفعه فرعون إليها وأجرى عليها الرزق والصلة، فرجعت به إلى بيتها من يومها سالماً معافى محفوظاً برعاية الله".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/223)مصدر غير محدد٦/٢٢٣: سبحان الله الذي بيده تصريف الأمور؛ خرج الطفل من بيتها خائفاً يترقب في تابوت خشبي في بحر متلاطم، فعاد إليها في يومه نفسه معززاً مكرماً مكفول النفقة في أمان من بطش فرعون وجنوده؛ ليتحقق وعد الله: {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فَرَدَدْنَاهُ}: الرد هو الإرجاع بعد المفارقة، وأسند الرد إلى ضمير العظمة {نَاهُ} بياناً للقدرة الإلهية المطلقة.
{تَقَرَّ عَيْنُهَا}: تسكن وتبرد برؤيته واحتضانه وتزول عنها لوعة الفراق.
{وَلَا تَحْزَنَ}: معطوف على تقر؛ أي وينتفي عنها الحزن نهائياً لعلمها بأمانه ورسالته.
{وَلِتَعْلَمَ}: اللام للتعليل؛ أي ولتعلم علماً يقينياً مشاهداً بالعيان.
{وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}: وعده الواقع الذي لا يخلف؛ بوعده الأول لها بالرد والرسالة.
الإعراب:
{فَرَدَدْنَاهُ}: الفاء عاطفة تفريعية، رددنا فعل وفاعل ونا ضمير متصل فاعل، والهاء مفعول به.
{إِلَىٰ أُمِّهِ}: متعلقان بـ{رَدَدْنَاهُ}.
{كَيْ}: حرف مصدري ونصب يفيد التعليل.
{تَقَرَّ}: مضارع منصوب بكي وعلامة نصبه الفتحة.
{عَيْنُهَا}: فاعل تقر مرفوع، والهاء مضاف إليه.
{وَلَا تَحْزَنَ}: معطوف على تقر منصوب.
{وَلِتَعْلَمَ}: الواو عاطفة، اللام لام التعليل، تعلم مضارع منصوب بأن مضمرة معطوف على كي تقر.
{أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ}: أن واسمها منصوب، واسم الجلالة مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنجاز الشطر الأول من الوعد الإلهي:
كان الوعد في الآية السابعة مشتملاً على بشارتين: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}؛ فجاءت هذه الآية لتعلن الإنجاز الحرفي للشق الأول: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ} في ذات اليوم، ليكون هذا الإنجاز المشهود برهاناً قاطعاً في قلبها وفي قلوب المؤمنين على أن الشق الثاني {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} آت لا محالة؛ فمن صدق في الأولى صدق في الثانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مراتب العلم واليقين (من علم الخبر إلى علم العيان):
محاكمة معرفية عقدية:
قد يسأل سائل: ألم تكن أم موسى تعلم أن وعد الله حق حين أوحى إليها في البداية؟! فلماذا قال: {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}؟
والجواب المحكم: بلى، كانت تعلم علم إيمان وتصديق وخبر، ولكنها بالرد الحسي ومعاينة ابنها في حضنها انتقلت من "علم اليقين" إلى "عين اليقين" وحق اليقين؛ تماماً كما سأل إبراهيم عليه السلام ربه: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}؛ فالعيان يورث القلب سكوناً وطمأنينة لا يبلغها مجرد السماع.
الاستدراك البليغ بـ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}:
تعقيب يكشف قصور العقل البشري المادي؛ فأكثر الناس يحكمون بالظواهر السطحية للأحداث ولا يعلمون تدبير الله الخفي وراء الأستار، فيتعجلون اليأس والاعتراض إذا نزلت بهم الشدائد؛ بينما أهل العلم والإيمان يوقنون أن لطف الله يكمن في طيات البلاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة في وفاء الله بوعده:
وعد الله لا يتخلف أبداً وإن تظاهرت كل قوى الأرض على منعه؛ والواجب على المؤمن الصبر والاستمساك بالثقة بالله في أحلك الظروف.
بر الوالدين وحفظ حق الأم:
رعاية الله الفائقة لمشاعر أم موسى وتسكين لوعتها يدل على عظم مكانة الأم وحرمة مشاعرها في الميزان الإلهي؛ فالله سخر سنن الكون والقصور لتطمئن عين هذه الأم الصالحة.