أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/595)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٥ بسنده عن قتادة ومجاهد: "يقول تعالى ذكره: وصيرنا فرعون وقومه قادة في الضلالة والكفر يقتدي بهم أهل الكفر والفسوق، ويدعون الناس بأفعالهم وسنتهم السيئة إلى ما يوجب النار وهو الكفر والمعاصي، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ}: أي لا ينصرهم ناصر فيدفع عنهم عذاب جهنم، ولا يجدون لهم ولياً ولا حميماً".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/237)مصدر غير محدد٦/٢٣٧: جعلهم الله قادة في الشر يقتدى بهم في التكذيب والطغيان، كما قال تعالى في سورة هود: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{أَئِمَّةً}: جمع إمام، وهو القدوة والمتبوع في الخير أو الشر؛ والمراد هنا قادة ورؤساء في الضلال.
{يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}: يدعون الناس إلى الأعمال الكفرية والمناهج الفاسدة التي تقود أصحابها حتماً إلى النار.
{لَا يُنصَرُونَ}: لا يدفع عنهم العذاب دافع ولا يجدون مغيثاً ولا مجيراً.
الإعراب:
{وَجَعَلْنَاهُمْ}: فعل وفاعل، والهاء مفعول به أول، والميم للجمع.
{أَئِمَّةً}: مفعول به ثان لجعلنا منصوب بالفتحة.
{يَدْعُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب نعت لأئمة.
{إِلَى النَّارِ}: متعلقان بـ{يَدْعُونَ}.
{وَيَوْمَ}: الواو عاطفة، يوم ظرف زمان متعلق بـ{يُنصَرُونَ}، وهو مضاف إلى {الْقِيَامَةِ}.
{لَا}: نافية.
{يُنصَرُونَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة مع إمامة المستضعفين:
مقابلة بلاغية عظمى؛ قال في الآية الخامسة في حق بني إسرائيل المستضعفين المؤمنين: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}؛ أئمة هدى ونور يهدون بأمر الله إلى الجنة، وقال هنا في حق فرعون وجنوده المستكبرين: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}؛ أئمة ضلال وظلام يقودون أتباعهم إلى الجحيم؛ ليكتمل تقابل الإمامة بين الحق والباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مفهوم "إمامة الشر" والمسؤولية الجنائية التاريخية:
محاكمة فكرية وسلوكية:
الآية تؤسس لمفهوم "أئمة الضلال"؛ فالإمامة في القرآن نوعان: إمامة هدى وإمامة غواية؛ وقد قال النبي ﷺ في صحيح مسلم: "من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"؛ ففرعون وهامان فتحا باب تأليه الحاكم والاستبداد وتدجين الشعوب والتضليل الإعلامي، فصارا قدوة لكل طاغية بعدهما، فحُملا أوزار من قلدهما إلى يوم القيامة.
أطلق "النار" وأراد "الكفر والمعاصي"؛ مبالغة في بيان المآل؛ فكأنهم لا يدعون إلى فكر أو دنيا، بل يدعون الناس إلى الإلقاء في الحريق والنار مباشرة؛ للتنفير البالغ من مناهجهم.
بناء الفعل للمجهول {لَا يُنصَرُونَ}:
نفي جنس النصرة من أي كائن كان؛ فلا آلهتهم المزعومة تنصرهم، ولا أموالهم، ولا صروحهم التي بنوها؛ بل استسلموا للعذاب التام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الاقتداء بأئمة الضلال وأفكارهم:
على المسلم التمييز بين قادة الهدى الذين يدعون إلى كتاب الله والجنة، وبين دعاة التغريب والإلحاد والفساد الذين يدعون إلى النار ببريق المسميات الخادعة.
التحرر من التبعية العمياء للزعامات الفاسدة:
كل تابع لزعيم طاغية في الدنيا سيحشر معه وراءه إلى النار؛ فالنجاة في الاستمساك بالوحي المعصوم لا بأشخاص الطغاة.