أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/547)جامع البيانالطبري١٩/٥٤٧ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في قوله: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}: قالوا: دخل منف من أرض مصر وقت القيلولة نصف النهار، وقيل بين المغرب والعشاء والناس في بيوتهم، {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ}: أي من بني إسرائيل، {وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ}: أي قبطي من قوم فرعون يسخر الإسرائيلي في حمل الحطب ظلماً، فاستغاث الإسرائيلي بموسى لمكانته وقوته، {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ}: ضربه بجمع كفه ضربة واحدة فمات القبطي من غير قصد لقتله.
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/224)مصدر غير محدد٦/٢٢٤: لم يكن موسى يريد قتله، وإنما أراد دفعه وزجره عن الظلم، ولكن لشدة بطش موسى وقوته كانت الوكزة قاضية عليه؛ فندم موسى ندماً عظيماً وقال: {هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} لما ترتب على ذلك من الفتنة والقتل بغير أمر شرعي سابق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{حِينِ غَفْلَةٍ}: وقت سكون الناس وهدأتهم في بيوتهم وقت القيلولة.
{شِيعَتِهِ}: قومه وأهل دينه من بني إسرائيل المستضعفين.
{فَاسْتَغَاثَهُ}: طلب منه الغوث والنجدة والنصرة لدفع الظلم.
{فَوَكَزَهُ}: الوكز هو الضرب بجمع الكف أو بطرف اليد في الصدر أو العنق، وقيل بالقبضة كلها.
{فَقَضَىٰ عَلَيْهِ}: أماته وفصل حياته عنه، وأصل القضاء الفصل والإتمام.
{مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}: مضل عن الصراط المستقيم، ومبين ظاهر العداوة والإغواء.
الإعراب:
{وَدَخَلَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على موسى.
{الْمَدِينَةَ}: مفعول به على السعة أو منصوب بنزع الخافض.
{عَلَىٰ حِينِ}: جار ومجرور متعلقان بـ{دَخَلَ} أو بمحذوف حال، وحين مضاف إلى {غَفْلَةٍ}.
{مِّنْ أَهْلِهَا}: متعلقان بمحذوف نعت لغفلة.
{فَوَجَدَ}: فعل ماض وفاعله مستتر.
{فِيهَا}: متعلقان بوجد.
{رَجُلَيْنِ}: مفعول به أول لوجد منصوب بالياء لأنه مثنى.
{يَقْتَتِلَانِ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، والجملة في محل نصب مفعول ثان لوجد أو نعت.
{هَٰذَا}: مبتدأ، {مِن شِيعَتِهِ}: خبر.
{وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ}: معطوف على الجملة السابقة.
{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي}: فعل ومفعول به وفاعل، والصلة {مِن شِيعَتِهِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم ومفاجأة الحدث:
بعد أن قرر في الآية السابقة بلوغ موسى أشده وإيتاءه الحكم والعلم، سارع السياق إلى إيراد هذه الحادثة الفاصلة؛ لبيان كيف يسوق الله الأحداث لانتزاع موسى من حياة القصور الفرعونية المرفهة إلى معترك التكليف والغربة؛ ليتأهل لحمل أعباء الرسالة عبر الابتلاء والتمحيص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
عصمة الأنبياء وحادثة قتل القبطي:
محاكمة أصولية عقدية:
يثير بعض المشككين طعناً في عصمة موسى عليه السلام بقتله القبطي؛
والجواب المحكم عند أئمة أهل السنة والجماعة كابن تيمية والقرطبي وابن كثير:
هذا الحادث وقع قبل البعثة والنبوة.
القتل كان خطأً محضاً غير مقصود؛ فموسى لم يستعمل سلاحاً قاتلاً كالسيف، وإنما ضربه بجمع كفه {فَوَكَزَهُ} ليدفعه عن الإسرائيلي، ولم يكن يظن أن الوكزة تفضي إلى الموت عادة، ولكن مات القبطي لضعف بدنه أو لقوة موسى الزائدة.
القبطي كان كافراً ظالماً معتدياً محارباً يستحق الدفع؛ ومع ذلك ندم موسى فوراً واستغفر ربه؛ لأن دفع الصائل إنما يكون بالأخف فالأخف، ولأنه لم يكن مأذوناً له بالقتال حينئذ.