أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/540)جامع البيانالطبري١٩/٥٤٠ بسنده عن سعيد بن جبير وابن عباس: "أن موسى عليه السلام لما استقر في دار فرعون وبحثوا له عن مرضعة، جعلوا لا يأتونه بمرضعة إلا نبا فمه عنها ولم يقبل ثديها؛ فأحضروا له كل مرضعة حسنة اللبن في مصر فلم يقبل ثدياً واحداً، واشتد به الجوع وصاح، وضاق صدر امرأة فرعون وأشفقت عليه وأخذهم القلق والهم؛ فلما رأت أخته ذلك دخلت القصر فقالت: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}، فأخذوها وقالوا: وما يدريك من هم؟ وهل ينصحون لآل فرعون؟! فقالت بحكمة: ناصحون لهذا الطفل مشفقون عليه وعلى سرور الملك؛ فتركوها وذهبوا معها".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/223)مصدر غير محدد٦/٢٢٣: التحريم هنا تحريم قدري كوني لا شرعي؛ لأن الرضيع ليس مكلفاً، وإنما صرف الله فمه وخلق في طبعه كراهة كل ثدي سوى ثدي أمه إنجازاً لوعده الصادق: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَحَرَّمْنَا}: التحريم هنا كوني قدري؛ أي منعناه منعاً قاطعاً بتقديرنا وقدرتنا.
{الْمَرَاضِعَ}: جمع مَرْضَع أو مُرْضِع؛ أي النساء ذوات اللبن اللاتي يرضعن الأطفال، أو مواضع الرضاع وهي الأثداء.
{مِن قَبْلُ}: أي من قبل رده إلى أمه ولقائه بها.
{يَكْفُلُونَهُ}: الكفالة هي الرعاية والقيام بشؤون الطفل وإطعامه وحمايته.
{نَاصِحُونَ}: النصح هو إخلاص المحبة والشفقة وبذل الجهد في المصلحة دون غش.
الإعراب:
{وَحَرَّمْنَا}: فعل وفاعل.
{عَلَيْهِ}: متعلقان بـ{حَرَّمْنَا}.
{الْمَرَاضِعَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مِن قَبْلُ}: جار ومبني على الضم في محل جر لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى، متعلقان بحرمنا.
{فَقَالَتْ}: عاطفة، فعل ماض والفاعل مستتر.
{هَلْ}: حرف استفهام للعرض والتشويق والتلطف.
{أَدُلُّكُمْ}: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به.
{عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ}: متعلقان بـ{أَدُلُّكُمْ}.
{يَكْفُلُونَهُ}: مضارع وفاعله ومفعوله، والجملة في محل جر نعت لأهل بيت.
{لَكُمْ}: متعلقان بـ{يَكْفُلُونَهُ}.
{وَهُمْ}: الواو حالية، هم مبتدأ.
{لَهُ}: متعلقان بناصحون.
{نَاصِحُونَ}: خبر هم مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدبير الكوني الذي يعجز أعتى القوى:
فرعون بكل جبروته وملكه وجنوده وأطبائه وحكمائه يقف عاجزاً حائراً ذليلاً أمام فم طفل رضيع يرفض أن يلتقم ثدياً! فإذا بلغ بهم القلق مبلغه وضاقت بهم السبل، تقدمت الفتاة الصغيرة بكلمات معدودة ذكية لتفتح لهم باب الأمل الوحيد؛ ليركض جنود فرعون خاضعين طالبين أم موسى بأنفسهم، فتأتي معززة مكرمة تأخذ ولدها وتأخذ عليه أجراً من مال فرعون! قمة اللطف والقدرة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحريم القدري وسنة جريان المقادير:
محاكمة أصولية وعقدية:
التحريم المذكور في قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} ليس حكماً تكليفياً؛ لأن الصبي غير مكلف ولا إثم في حقه؛ وإنما هو إعمال للسنن الكونية والقدرية؛ فصرف الله رغبته عن سائر الأثداء لحكمة بالغة:
صيانة فم النبي المصطفى من أن يرتضع لبن نساء الكفر والظلم.
إتمام الوعد الإلهي لأمه {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}؛ فلو ارتضع من غيرها لظل في القصر ولم يحتج إليها.