روى ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/536)جامع البيانالطبري١٩/٥٣٦ بسنده عن قتادة والسدي: "لما فتحت امرأة فرعون (وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها) التابوت رأت صبياً يفيض وجهه نوراً، فألقى الله محبته في قلبها، فلما رآه فرعون همّ بذبحه ظناً منه أنه من بني إسرائيل، فقالت له آسية: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ}، فقال فرعون: أما لكِ فنعم، وأما لي فلا، قال رسول الله ﷺ: «والذي يحلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت لَهداه الله به كما هدى امرأته، ولكن الله حرمه ذلك»".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/221)مصدر غير محدد٦/٢٢١: أثنى الله على آسية امرأة فرعون؛ فكانت سبب نجاته بحيلتها اللطيفة وشغفها بالطفل لكونها عقيماً لا تلد، فقالت: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}، وعقّب القرآن بقوله: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}؛ أي لا يشعرون أن هلاك فرعون وزوال ملكه وجنده سيكون على يديه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{قُرَّتُ عَيْنٍ}: برودة العين وراحتها وسكونها وسرورها، وضدها سخنة العين من البكاء والغم.
{أَن يَنفَعَنَا}: المصدر المؤول في محل رفع فاعل عسى أو خبرها، ونا مفعول به.
{أَوْ نَتَّخِذَهُ}: معطوف على ينفعنا منصوب، والهاء مفعول به أول.
{وَلَدًا}: مفعول به ثان لنتخذه منصوب.
{وَهُمْ}: الواو حالية، هم مبتدأ.
{لَا يَشْعُرُونَ}: لا نافية، يشعرون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج الحماية الإلهية بالوسائل العاطفية:
نجاة موسى تمت بتدبير نفسي مدهش؛ فالطاغية الذي لا ترق قلوب جنوده لصراخ طفل، يقذف الله في قلب زوجته بالذات حباً عارماً لهذا الرضيع، فتقف سداً منيعاً بينه وبين القتل، وتبذل كل فنون الإقناع والرجاء والمنفعة المشتركة لتنقذه؛ فيوافق فرعون خضوعاً لعاطفة زوجته؛ ليُصنع موسى على عين الله في عقر دار الطاغية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شؤم الشقاء وجواب فرعون القاطع:
محاكمة أثرية وتربوية:
قول فرعون: "أما لك فنعم، وأما لي فلا" كما جاء في الأثر، يعكس شقاء قلبه المحتوم؛ فالكلمة التي تنطق بها النفس قد تكون قضاءً يوافق قدر الله؛ فآسية طلبت قرة العين فنالت الإيمان والشهادة والجنة، وفرعون رد قرة العين فحق عليه الشقاء والغرق والخسران؛ والمرء مجزي بلفظه ونيته.
وجهت النهي بصيغة الجمع لفرعون وجنوده وحراسه؛ تعظيماً له وتذكيراً لحاشيته بأن الكف عن القتل رغبة القصر وسيدته، مما يحصن الطفل من أي مبادرة غدر فردية.
جملة الحال {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}:
اعتراض بلاغي معجز يفصل بين كلامها ومشاعرهم وبين إحاطة القدر الإلهي بهم؛ فالقوم يخططون للتبني والاستمتاع بالطفل وخدمته، والقدر يخطط لهدم أركان ملكهم على يديه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
منزلة المرأة الصالحة وعظيم أثرها:
نموذج آسية رضي الله عنها يثبت أن صلاح المرء واستقامته لا تحدهما البيئة الفاسدة؛ فقد كانت في قصر أعتى طغاة الأرض وحافظت على إنسانيتها وفطرتها وكانت سبباً في إنقاذ نبي الأمة.
نفوذ المحبة الإلهية في القلوب:
إذا ألقى الله على عبد محبة منه، ذلت له القلوب وسخرت له أعتى الجبابرة لخدمته ورعايته {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}.