البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 276)مصدر غير محدد١٨/٢٧٦ عن قتادة ومجاهد في تفسير "سرمداً": أي دائماً متصلاً لا ينقطع ولا يعقبه نهار. والمعنى: أخبروني أيها المشركون إن أطبق الله عليكم الظلام فلم يطلعه نور إلى يوم القيامة، أي معبود غير الله يقدر على أن يصدع ذلك الظلام ويأتيكم بضياء تبصرون به وتسعون في معايشكم؟
ويقرر ابن كثير (ج 6، ص 250)مصدر غير محدد٦/٢٥٠: "يقول تعالى ممتناً على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما، فلو جعل الليل دائماً لأضرت الظلمة بالأبدان، ولتعطلت المعائش والمصالح، فمن الذي يقدر على خلق الضياء سواه؟".
ويشير ابن عاشور في التحرير والتنوير (ج 20، ص 164) إلى مناسبة التعقيب بقوله: {أَفَلَا تَسْمَعُونَ}؛ لأن الليل مظنة انعدام الرؤية وإدراك المسموعات، فالأذن في الليل هي الحاسة الأنشط في استطلاع ما حول الإنسان، فناسب توبيخهم بانتفاء السماع الواعي المتدبر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بعد أن أثبتت الآية السابقة أن له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم، جاءت هذه الآية والآية اللاحقة كبرهان تجريبي حسي عقلي ملزم لا ينكره منصف، باستعراض إحدى أعظم النعم الكونية الملازمة لحياة الإنسان: نعمة تعاقب النور والظلام.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إلزام المعاندين بمنطق الضرورة الكونية:
يسلك القرآن هنا مسلك المحاكمة العقلية؛ فالكفار يقرون بأن آلهتهم لم تخلق الليل ولا النهار، فإذا فرضنا زوال النهار وبقاء الليل، بطلت حياة البشر تماماً وتلاشت مصادر أرزاقهم وغذائهم وحرارتهم، فإذا عجز الشركاء عن الإتيان بضياء، ثبت أنهم ليسوا آلهة، وثبت أن الإله الحق هو من يملك هذا النظام الفلكي الدقيق.
التفريق بين السماع الحسي وسماع التدبر:
الاستفهام في {أَفَلَا تَسْمَعُونَ} لا ينفي عنهم السمع الفسيولوجي للأصوات، وإنما ينفي عنهم السماع الانتفاعي الإدراكي الذي يورث الإيمان والامتثال، فكأنهم كالصم الذين لا يسمعون الحجج البالغة.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي التام: {مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ}، أي لا أحد يقدر على ذلك قط.
التنكير في {بِضِيَاءٍ}: يفيد التقليل والتعظيم؛ أي بأي قدر من الضياء يدفع عنكم وحشة الظلمة ويمكّنكم من التصرف.
التطابق البياني البيئي: اقتران ذكر الليل بقوله {أَفَلَا تَسْمَعُونَ}، وفي الآية التالية اقتران ذكر النهار بقوله {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}؛ وهي براعة نظم بالغة الإعجاز في مراعاة الخصائص الحسية للأوقات.
الظلال التدبرية والإشارية:
الألفة تبلد الشعور بالنعم؛ فالناس يولدون ويموتون والشمس تشرق كل يوم دون أن يتأملوا أن هذا الإشراق إنما هو بقرار رباني مستمر ولطف رحيم دائم، فلو أمر الله الشمس بالغياب لما ملكت قوى الأرض مجتمعة أن تضيء أفقاً واحداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
توجيه الخطاب العقلي للناس بالاستناد إلى المحسوسات المشاهدة؛ فالكون المفتوح هو أكبر كتاب مقروء للدعوة إلى الله، والداعية الحكيم ينبه الغافلين إلى النعم المألوفة التي غابت قيمتها بالتعود.
الآثار التربوية والوجدانية:
شكر الله على نعمة انبلاج الصبح وطلوع الضياء كل يوم، واستشعار الافتقار الدائم لقيوميته سبحانه.
تجريد التوحيد لله؛ فلا يعلق القلب رجاءً ولا خوفاً بمخلوق عاجز عن تحريك فلك أو إضاءة ظلام.