أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/549)جامع البيانالطبري١٩/٥٤٩ بسنده: "قال موسى معترفاً بذنبه، تائباً إلى ربه: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بقتل هذه النفس التي لم تؤمرني بقتلها، {فَاغْفِرْ لِي} ذنبي هذا وتجاوز عني، {فَغَفَرَ لَهُ} ربه ذنبه، {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ} لذنوب عباده التائبين، {الرَّحِيمُ} بهم ألا يعاقبهم بعد توبتهم".
وذكر القرطبي في "تفسيره" (13/260)مصدر غير محدد١٣/٢٦٠: هذا من أدب الأنبياء وتواضعهم لله تعالى؛ اعتراف بالظلم، وسؤال للمغفرة دون تأخير، فاستجاب الله له فوراً تفضلاً ورحمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{ظَلَمْتُ نَفْسِي}: أوردتها مورد الخطر والتبعة بقتل نفس لم يؤذن لي بشرع في قتلها.
{فَاغْفِرْ لِي}: الستر والتجاوز ومحو أثر الذنب وعدم المؤاخذة به.
{الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}: كثير المغفرة لذنوب التائبين، عظيم الرحمة بهم.
الإعراب:
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو.
{رَبِّ}: منادى بأداة نداء محذوفة منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف.
{إِنِّي}: إن واسمها (الياء).
{ظَلَمْتُ}: فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{نَفْسِي}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{فَاغْفِرْ}: الفاء سببية، اغفر فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
{لِي}: متعلقان باغفر، والجملة معطوفة على ما قبلها.
{فَغَفَرَ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، غفر فعل ماض.
{لَهُ}: متعلقان بغفر، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة القبول والتعقيب بالرحمة:
عطف {فَغَفَرَ لَهُ} بالفاء على استغفاره {فَاغْفِرْ لِي} يبرز سرعة استجابة الله لتوبة الصادقين؛ فما إن نطق موسى بالاعتراف والتوبة حتى نزل العفو والمغفرة فوراً، ليطمئن قلبه وينكشف كربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اعتراف الأنبياء بالذنب واستغفارهم:
محاكمة عقدية:
سؤال الأنبياء للمغفرة واعترافهم بظلم النفس لا يقدح في عصمتهم من الكبائر وخيانة الوحي؛ بل هو من كمال عبوديتهم ومقامات قربهم وتواضعهم لربهم؛ فالأنبياء يستعظمون الهفوات الصغرى والصغائر غير المقصودة ويعاملونها معاملة العظائم؛ ليعلموا أممهم كيف يفرون إلى الله بالاستغفار.
{فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ}؛ جناس اشتقاقي بديع يربط بين الدعاء والإجابة بأقصر لفظ وأبلغ دلالة، دون فاصل زمني؛ دلالة على سعة جود الله وقربه من التائبين.
توكيد المغفرة بـ {إِنَّهُ هُوَ}:
توكيد بضمير الفصل وأداة إن لإفادة الحصر والاختصاص؛ فالمغفرة المطلقة لا يملكها ولا يتفضل بها إلا الله وحده الغفور الرحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الاعتراف بالذنب بين يدي الله:
تقديم الاعتراف بالظلم والتقصير {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} قبل طلب الحاجة {فَاغْفِرْ لِي}، وهو أدب الأنبياء كآدم ويونس وموسى ونبينا محمد ﷺ في سيد الاستغفار: "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي".
فتح باب الأمل والرجاء:
أعظم درس للتائبين: مهما عظم الخطأ، فإن صدق التوبة يمحو الذنب ويستنزل المغفرة الفورية من الغفور الرحيم.