أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" (9/3008)مصدر غير محدد٩/٣٠٠٨ وابن جرير الطبري (19/597)مصدر غير محدد١٩/٥٩٧حسن بسند حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "ما أهلك الله قوماً بعذاب نزل من السماء أو خسف من الأرض بعد أن أنزل التوراة على موسى إلا قرية واحدة مسخوا قردة (أصحاب السبت)، ثم قرأ أبو سعيد الخدري: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ}".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/237)مصدر غير محدد٦/٢٣٧: أنزل الله التوراة على موسى بعد هلاك فرعون وملئه، وهلاك القرون العاتية المكذبة السابقة كقوم نوح وعاد وثمود؛ فكان إنزال التوراة بداية عهد تشريعي جديد في تاريخ البشرية، جُعلت فيه التوراة نوراً وهدى وبصائر للناس تحثهم على التذكر والإنابة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{الْكِتَابَ}: التوراة المنزلة في الألواح المكتوبة من عند الله.
{الْقُرُونَ الْأُولَىٰ}: الأمم الخالية القديمة التي أهلكت بعذاب الاستئصال كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون.
{بَصَائِرَ}: جمع بصيرة، وهي نور العقل والقلب الذي يدرك به الحقائق ويميز به بين الحق والباطل؛ كالبصر للعين.
{وَهُدًى وَرَحْمَةً}: دلالة موصلة إلى النجاة، ورحمة تنتظم شؤون المعاش والمعاد لمن عمل بها.
الإعراب:
{وَلَقَدْ}: الواو قسمية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{آتَيْنَا}: فعل وفاعل.
{مُوسَى}: مفعول به أول منصوب بفتحة مقدرة.
{الْكِتَابَ}: مفعول به ثان لآتينا منصوب بالفتحة.
{مِن بَعْدِ}: متعلقان بآتينا، وبعد مضاف إلى {مَا} المصدرية.
{أَهْلَكْنَا}: فعل وفاعل، والمصدر المؤول في محل جر بالإضافة.
{الْقُرُونَ}: مفعول به منصوب، {الْأُولَىٰ}: نعت للقرون منصوب بفتحة مقدرة.
{بَصَائِرَ}: حال منصوبة من الكتاب (أو مفعول لأجله).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انعطافة تاريخية نحو التشريع والبناء:
ختام ملحمة فرعون وبدء عصر جديد؛ بعد أن طهر الله الأرض من أعتى طواغيت الاستئصال، أنزل الكتاب لتبدأ مرحلة البناء التشريعي والتربوي للأمة المستخلفة؛ فالنصر ليس غاية لذاته، وإنما الغاية هي إقامة منهج الله وتنوير البصائر بالكتاب المنير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحول سنة العقاب من الاستئصال العام إلى الجهاد والتشريع:
محاكمة سننية وتاريخية:
الآية تؤصل لقضية سننية كبرى: قبل إنزال التوراة كان إهلاك الأمم المكذبة يتم بالاستئصال الكوني العام الكلي (كالطوفان والريح والصيحة والخسف والغرق)؛ فلما أنزلت التوراة كُلف أهل الإيمان بحمل أمانة الدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فصار الكتاب حجة عقلية وبصيرة قائمة، وصار التدافع بين الحق والباطل سنة ماضية بأيدي المؤمنين.
جمع بصيرة؛ للدلالة على أن آيات الكتاب تفتح مغاليق العقول وتمنح البصائر أنواراً تكشف دقائق الشبهات وعمى القلوب؛ فمن استمسك بالكتاب رأى حقائق الوجود كما هي.
الترتيب الإعجازي: {بَصَائِرَ} ثم {هُدًى} ثم {رَحْمَةً}:
ترتيب عقلي بديع؛ يبدأ أولاً بإنارة البصيرة والعقل ليدرك الحق {بَصَائِرَ}، فإذا استبصر قاده ذلك إلى السلوك والعمل الرشيد {هُدًى}، فإذا اهتدى وعمل تنزلت عليه السعادة والخير في الدارين {رَحْمَةً}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مركزية الكتاب والوحي في حياة الأمم:
حياة الأمم الحقيقية لا تكون بوفرة الأموال وتشييد الصروح، بل بإنارة البصائر بنور الوحي؛ فمن فقد هداية الوحي فهو ميت البصيرة وإن ملك الدنيا.
التدبر والتذكر ثمرة الوحي:
{لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}؛ الغاية العظمى من إنزال الكتب هي تذكر الميثاق الفطري، والتفكر في آيات الله، والاستعداد للقائه.