أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/622)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٢ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره: وما كان من سنة ربك ولا من قضائه وعدله أن يهلك أهل قرية من القرى بظلمهم حتى يبعث في أُمّها -يعني في أعظمها شأناً وعاصمتها وقصبتها الكبرى كمكة لأهل الحجاز والقرى حولها- رسولاً من خيرة أهلها يتلو عليهم آياتنا المنزلة ويبين لهم الحجة؛ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها مشركون ظالمون لأنفسهم مكذبون لرسلهم بعد قيام الحجة".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/245)مصدر غير محدد٦/٢٤٥: هذا تقرير لكمال عدل الله تعالى؛ فهو لا يعاجل القرى بالعقوبة حتى يبعث الرسول في المدينة الكبرى (أم القرى) ليعم البلاغ وتنقطع المعاذير.
{وَمَا كَانَ}: ما نافية، كان فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{رَبُّكَ}: اسم كان مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه.
{مُهْلِكَ}: خبر كان منصوب بالفتحة، وهو مضاف إلى {الْقُرَىٰ} المجرور بكسرة مقدرة.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر ونصب.
{يَبْعَثَ}: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والفاعل مستتر هو.
{فِي أُمِّهَا}: متعلقان بيبعث، وأم مضاف إلى الهاء.
{رَسُولًا}: مفعول به ليبعث منصوب بالفتحة.
{يَتْلُو}: مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل هو، والجملة في محل نصب نعت لرسولاً.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بتتلو.
{آيَاتِنَا}: مفعول به منصوب بالكسرة ونا مضاف إليه.
{وَمَا كُنَّا}: ما نافية، كان واسمها.
{مُهْلِكِي}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم وحذفت النون للإضافة.
{الْقُرَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{وَأَهْلُهَا}: الواو حالية، أهل مبتدأ والهاء مضاف إليه.
{ظَالِمُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل نصب حال من القرى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ضوابط سنن الإهلاك وعدالة التدبير:
إحكام تشريعي رباني رائع؛ لما ذكر إهلاك القرى الباطرة في الآية السابقة، بادر مباشرة لبيان ميزان العدالة الإلهية في هذا الإهلاك لئلا يتوهم أحد أن الله يعاقب بلا إنذار؛ فوضع شرطين قاطعين للإهلاك:
إرسال الرسول في العاصمة الكبرى (أم القرى) لتبليغ الآيات وقطع الحجة.
إصرار أهلها على الظلم والعدوان والتكذيب بعد وصول البلاغ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة بعثة الرسل في "أم القرى" والعواصم الكبرى:
محاكمة دعوية واستراتيجية:
خصص الله بعثة الرسل في {أُمِّهَا} (المدن المركزية والعواصم) لحكم جليلة:
العاصمة مجمع الوفود ومحط التجارات والأسواق، فينقل منها خبر الرسالة إلى جميع الأطراف والبوادي والقرى بسهولة وسرعة.
أهل العواصم أذكى عقولاً وأوسع مدارك من أهل البوادي المعزولة، فيكون فهمهم للحجة أدق ومناظرتهم أظهر.
إذا قامت الحجة في العاصمة المركزية وسقط كفرها سقطت كل توابعها؛ فكانت مكة "أم القرى" مهبطاً لأشرف الرسل لتبليغ الثقلين.