آية القمر وسير منازله الدقيقة لضبط المواقيت وحساب الأيام والشهور؛ حيث بين سبحانه أنه جعل للقمر منازل محددة ينتقل فيها ليلة بعد ليلة، يبدأ هلالاً دقيقاً ثم يكتمل بدراً وهاجاً، ثم يتناقص رويداً رويداً حتى يصير في آخر الشهر دقيقاً منحنياً أصفر يشبه عذق النخلة العتيق المنحني، وهو العرجون القديم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 577)جامع البيانالطبري٢٠/٥٧٧: «يقول تعالى ذكره: والقمر آية لهم أيضاً صيرناه وقدرنا سيره في منازل ثمانية وعشرين منزلاً ينزل كل ليلة في منزل منها، لا يجاوزه ولا يقصر دونه، فإذا انتهى إلى آخر منازله عاد دقيقاً مقوساً، كأنه عرجون النخل إذا تقادم عهده فيبس وانحنى ودق».
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: «العرجون القديم هو أصل العذق اليابس من النخلة الذي اعوج ودق واصفر بعد سنة أو سنين».
وقال ابن كثير: «جعل له منازل يسير فيها، يبدو صغيراً في أول الشهر ثم يتكامل نوره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع كما بدأ كأنه عرجون نخل قديم يبس واعوج».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالْقَمَرَ}: الواو عاطفة، «القمرَ» مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال وجوباً عند ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف العاشر؛ أي: وقدرنا القمر قدرناه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب برفع {وَالْقَمَرُ} على الابتداء وجملة «قدرناه» خبره.
{قَدَّرْنَاهُ}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
{مَنَازِلَ}: مفعول به ثانٍ لـ «قدرناه» بتضمينه معنى صيرناه، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي قدرنا له منازل، أو مفعول فيه ظرف مكان؛ أي في منازل، أو حال بحذف مضاف؛ أي ذا منازل.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر أو ابتداء.
{عَادَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، وهو ناقص بمعنى صار، أو تام بمعنى رجع.
{كَالْعُرْجُونِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر «عاد» إن كانت ناقصة، أو حال إن كانت تامة. والعرجون: هو العذق الذي يحمل الشماريخ في النخلة بعد قطاف الثمر ويبسه.
{الْقَدِيمِ}: نعت للعرجون مجرور بالكسرة الظاهرة، والمقصود به العتيق الذي مر عليه حول فأكثر فانحنى واصفر ودق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عطف القمر على الشمس لبيان تمام النيرين الحاكمين للزمان الأرضي؛ فالشمس لحساب السنين والحرارة والفصول، والقمر لحساب الشهور والمواقيت والعبادات {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}.
التشبيه بالعرجون القديم تشبيه حسي بديع ومألوف للمخاطبين، يجمع بين انحناء الشكل، ودقة الجرم، واصفرار اللون في نهاية الشهر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم العشوائية في تفاوت أطوار القمر: قد يظن الجاهل أن أطوار القمر تحدث مصادفة تبعا لحركته دون تدبير مسبق.
رد الشبهة بالمحاكمة الرياضية الفلكية: لفظ {قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} يقطع بأن حركة القمر محسوبة بدقة متناهية بالكسور والأجزاء من الثانية، بحيث يعرف علماء الفلك والمسلمون منازله وأطواره بدقة تامة لآلاف السنين مقدماً دون خطأ، وهذا الإحكام الرياضي الباهر ينفي العشوائية ويثبت الحكمة المطلقة للخالق العظيم.
التشبيه التمثيلي البديع: في {حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}؛ تشبيه القمر الهلال في آخر الشهر بالعرجون المنحني الأصفر، وهو تمثيل من أروع صور البلاغة القرآنية التي تقرب المشهد الفلكي للأذهان بأجمل الصور المادية المشاهدة.
التدرج في رسم الدورة الحياتية: يبدأ القمر ضعيفاً كالهلال، ثم يشتد ويكتمل كالشاب البدر، ثم يشيخ وينحني كالعرجون، وهو إيماء تدبري لطيف إلى دورة حياة الإنسان نفسه من الضعف إلى القوة ثم إلى الشيبة والضعف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ربط المسلم بالكون في عباداته وشعائره؛ فالصيام والإفطار والحج وعدة النساء كلها مرتبطة بمنازل القمر وهلاله، ليكون الدين فطرياً كونياً ميسراً لكل البشر في كل زمان ومكان دون حاجة لآلات معقدة.
التفكر في تقلب الأحوال والدوام لله وحده؛ فالقمر ينتقل من حال إلى حال ليتذكر العبد أن دوام الحال من المحال، وأن الباقي هو وجه ذي الجلال والإكرام.