بيان لهوان أهل القرية المكذبين على الله وحقارتهم، وسرعة إهلاكهم بأهون الأسباب دون حاجة لإنزال جنود من الملائكة ولا تحريك عوالم السماء لقتالهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 562)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٢: «يقول تعالى ذكره: وما احتجنا بعد قتلهم لحبيب النجار إلى أن ننزل على قومه المكذبين جنداً من ملائكة السماء لنعذبهم وننتقم منهم، وما كانت سنتنا ولا حكمتنا تقتضي إنزال الجند من الملائكة لإهلاك الأمم، بل أمرهم أهون وأحقر من ذلك؛ إنما هي صيحة واحدة تخمد أنفاسهم جميعاً».
وقال قتادة في قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ}: «أي ما بعثنا عليهم رسالة أخرى ولا ملائكة، بل عاجلهم الله بالعقوبة لهوانهم عليه واستحقاقهم الاستئصال بعد قتل وليه».
وقال مجاهد وابن كثير: «يخبر تعالى أنه انتقم لأوليائه ورسله من أهل القرية بأمر يسير؛ فلم يحتج في إهلاكهم إلى إنزال ملائكة من السماء لقتالهم، بل كانوا أحقر من ذلك وأهون على الله، وما أنزل الله جنداً من الملائكة للقتال في الأرض إلا على أمة محمد ﷺ في بدر والأحزاب إكراماً له ورفعاً لشأنه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، «ما» نافية لا عمل لها.
{أَنزَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون وفاعله «نا» العظمة.
{عَلَىٰ قَوْمِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَنزَلْنَا}، والهاء تعود على الرجل المؤمن المقتول.
{مِن بَعْدِهِ}: متعلق بمحذوف حال من «قومه» أو بـ {أَنزَلْنَا}؛ أي بعد قتله ومفارقته للدنيا.
{مِن جُندٍ}: «من» حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراقه، {جُندٍ}: مفعول به لـ «أنزلنا» مجرور لفظاً منصوب محلاً. والجند: العسكر والجيش المجتمع للقتال.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: متعلق بمحذوف نعت لـ {جُندٍ}؛ أي جنداً كائنين من الملائكة النازلين من السماء.
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» نافية.
{كُنَّا}: فعل ماض ناقص مبني على السكون واسمه «نا».
{مُنزِلِينَ}: خبر «كنا» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مؤكدة ومقررة لمضمون النفي السابق وسنة الله في إهلاك المكذبين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يعكس التباين الصاعق بين كبرياء القوم وعظمتهم الموهومة، وبين حقيقة حقارتهم وهوانهم أمام قدرة الله؛ فلما تجبروا وقتلوا ولي الله وظنوا أنهم انتصروا، بيّن الله أن استئصالهم لا يحتاج إلى تحريك ألوية الملائكة وجنود السماء؛ فهم أصغر من أن يُنزل الله لإهلاكهم جنداً، بل يكفيهم جندي واحد بصيحة واحدة.
التعبير بـ {عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ}: نسبة القوم إلى الرجل المؤمن الشهيد؛ تشريفاً له وإشعاراً بأنهم خسروا بموته صمام أمانهم الأخير، وأن هلاكهم جاء معقباً لقتله مباشرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدم نزول الملائكة لإهلاكهم ومقارنتها بغزوة بدر: يتساءل البعض: لماذا نفي إنزال الجند من الملائكة هنا بينما أنزلهم الله في بدر: {إِذْ تَمُدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}؟
رد الشبهة والتحقيق البياني والسنني:
الأمم السابقة (كقوم نوح وعاد وثمود وأهل هذه القرية) كانت سنة الله فيهم هي «الاستئصال بالعذاب الكوني القدري المباشر»؛ كالريح، والصيحة، والحجارة، والطوفان، وهذه لا تحتاج إلى قتال بشري ولا جنود ملائكة ينزلون بسيوفهم، بل ملك واحد كجبريل يصيح صيحة واحدة فيهلكهم جميعاً.
أما في أمة محمد ﷺ فقد شُرع الجهاد بالسيف بين المؤمنين والكافرين رحمة واستبقاءً للأمم وتطهيراً، فأنزل الله الملائكة في بدر والأحزاب لـ «تثبيت قلوب المؤمنين ومشاركتهم في القتال إكراماً للنبي ﷺ»، فظهر الفرق العظيم بين مقام الإهانة والاستئصال ومقام التكريم والنصر.
زيادة حرف الجر «من» في {مِن جُندٍ}: لتوكيد النفي واستغراق كل جنس الجند؛ أي ما أنزلنا ولا ملكاً واحداً ولا كتيبة ولا جندياً صغيراً؛ تحقيراً لشأنهم وتصغيراً لكيدهم.
التذييل بـ {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} باسم الفاعل: لتقرير السنة الإلهية؛ أي ليس من شأننا ولا من عادتنا وسنتنا إنزال الجند لمثل هؤلاء الهالكين العاجزين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
هوان الطغاة والمجرمين أمام الله: مهما ملك الظالمون من الجيوش والأسلحة والدروع، فهم في ميزان الله أهون من الذباب، وقدرة الله قادرة على سحقهم بأضعف الأسباب دون تكلف جند ولا عدة.
شؤم التعرض لأولياء الله بالقتل والأذى: من عادى لله ولياً فقد بارزه بالحرب؛ فقتل أولياء الله والدعاة الصادقين هو أعظم مستجلب للهلاك العاجل وغضب الجبار في الدنيا والآخرة.