التذكير بسنّة الضعف والهرم ودورة الحياة التي يشاهدها كل إنسان عياناً؛ حيث يقرر القرآن حقيقة واقعة لا فكاك منها: أن من يمد الله في عمره ويبلغه أرذل العمر وشيخوخة الكبر، يقلب أحواله ويرده إلى الضعف بعد القوة، فيصير كهيئة الصبي الرضيع في ضعف عقله ووهن بدنه، وتراجع حواسه وقواه، فيا عجباً كيف لا يعقل المشركون هذه السنّة القاطعة الدالة على فناء الإنسان وضعفه وافتقاره إلى خالقه!
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 628)جامع البيانالطبري٢٠/٦٢٨: «يقول تعالى ذكره: ومن نمدد له في الأجل ونطل في عمره حتى يكبر ويهرم، نرده إلى مثل حاله في الصبا وضعف الطفولية في بدنه وعقله وقوته وحواسه، أفلا يعقل هؤلاء المشركون فيعلموا أن الذي فعل ذلك به قادر على أن يمسخه على مكانته، وقادر على إحيائه وبعثه بعد موته؟».
وقرأ الجمهور وعاصم {نُنَكِّسْهُ} بضم النون وفتح النون الثانية وتشديد الكاف مكسورة من التنكيس، وقرأ حمزة وعاصم في رواية {نَنْكُسْهُ} بفتح النون وسكون النون الثانية وضم الكاف مخففة من نكس ينكُس، وهما لغتان بمعنى القلب والرد إلى الضعف.
وقال قتادة: «هو الهرم؛ يرد إلى حال الطفولية في ضعف البدن والعقل».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره تردى إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَن}: الواو استئنافية، «من» اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لـ «نعمره».
{نُّعَمِّرْهُ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثانٍ أو بدل من اسم الشرط. والتعمير: إطالة العمر والمد في الأجل.
{نُنَكِّسْهُ}: جواب الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به. والتنكيس: قلب الشيء وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره، والمراد هنا رد قواه إلى النقص والضعف.
{فِي الْخَلْقِ}: جار ومجرور متعلق بننكسه؛ أي ننكسه في بنيته وتكوينه وقواه الجسدية والعقلية.
{يَعْقِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وقرأ نافع وابن ذكوان وأبو بكر {تَعْقِلُونَ} بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة، وجملة الاستفهام معطوفة على مقدر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا البرهان الواقعي المشهود يربط بين تهديد المسخ والطمس وبين ما يشاهدونه حتماً في آبائهم وكبرائهم؛ فإذا كنتم تستبعدون المسخ الفجائي الخارق، فانظروا إلى المسخ والتنكيس التدريجي الواقع حتماً بكل معمر أمامكم، فالقادر على سلب القوى ونكس الأبدان بالتدريج قادر على سلبها في لحظة واحدة، وهو برهان عقلي يقطع مكابرة المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم قدرة الطب البشري على قهر الهرم والخلود في الدنيا: يزعم الملاحدة والمفرطون في الأمل أن التقنيات الجينية ستمنح الإنسان عمراً خالداً أو شباباً أبدياً لا ينكسر.
رد الشبهة بالمحاكمة الواقعية والبيولوجية الحتمية: سنّة الله الحاكمة على الخليقة ثابتة لا تتبدل؛ فكل خلية حية مقدر لها التراجع والشيخوخة والموت، وكلما طال عمر الإنسان كان نكوسه في الذاكرة والبدن والمفاصل أوضح وألزم، ولم يستطع كل أطباء الأرض وفلاسفتهم منع الهرم عن أنفسهم، فالآية تقرر قانوناً بيولوجياً وحتمية كونية تثبت أن المخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا بقاء.
دقة التعبير بـ {نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ}: استعارة تمثيلية لانتكاس منحنى الحياة؛ يبدأ الإنسان من نقطة الصفر ضعفاً وطفولة، ثم يصعد إلى قمة الشباب والقوة، ثم ينكسه الله ليعود منحدراً إلى نفس نقطة البداية ضعفاً وقلة حيلة وتراجع حواس، في دورة هندسية بديعة.
التذييل بالاستفهام الإنكاري {أَفَلَا يَعْقِلُونَ}: تحريك للضمائر واستحثاث للعقول للنزول على حكم المنعم والتفكر في سر الفناء والاستعداد لدار البقاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اغتنام مرحلة الشباب والصحة قبل الشيخوخة والهرم؛ عملاً بالوصية النبوية الجامعة: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك».
الإحسان التام وبر الوالدين وكبار السن؛ فالشيخ الكبير يعيش مرحلة ضعف ونكوس تشبه الطفولة، فيحتاج إلى عطف وصبر ورحمة وبر يليق بضعفه.