البرهان العقلي والفيزيائي الثاني على البعث؛ وهو برهان إخراج الضد من الضد والجمع بين النقيضين؛ حيث ينبه الله المنكرين إلى حقيقة ملموسة ومشاهدة في بيئتهم وهي شجر المرخ والعَفار؛ شجر أخضر ريان يقطر ماءً ورطوبة، ومع ذلك إذا قُطع منه غصنان وحُك أحدهما بالآخر خرجت منهما نار وهاجة حارة يابسة يوقدون بها نيرانهم، فالذي أخرج هذه النار المحرقة من ذلك الشجر الأخضر الرطب الندي قادر بالبداهة على إخراج الحياة والحركة من العظام اليابسة والرميم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 648)جامع البيانالطبري٢٠/٦٤٨: «يقول تعالى ذكره: الذي أنشأ هذه العظام أول مرة هو الذي جعل لكم أيها الناس من الشجر الأخضر الرطب نديّاً ناراً توقدونها وتنتفعون بضوئها وحرها؛ وهو شجر المرخ والعفار، تأخذون منهما عودين أخضرين يقطران ماء فتحكون أحدهما بالآخر فيخرج الله منهما ناراً تصطلون بها، فالذي جمع بين الماء البارد الرطب والنار الحارة اليابسة وهما ضدان متنافيان قادر على أن يحيي العظام الرميمة البالية بعد موتها».
ونقل ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «هما شجرتا المرخ والعفار، ينبتان في أرض الحجاز، يقطعان خضراوين يتفجر منهما الماء، فإذا حُك هذا بهذا خرجت منهما النار، وفيهما قال الشاعر: في كل شجر نار، واستنجد المرخ والعفار».
وقال ابن كثير: «الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضراً نضراً ذا ثمر ورطوبة، ثم صيره حطباً يابساً توقد به النار، هو قادر على ما يشاء وفعال لما يريد، لا يمنعه مانع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من «الذي» في الآية السابقة، أو نعت، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الذي.
{جَعَلَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{لَكُم}: جار ومجرور متعلق بجعل.
{مِّنَ الشَّجَرِ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ «جعل» أو متعلق بمحذوف حال من «ناراً».
{تُوقِدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة الفجاءة معطوفة على ما قبلها. والإيقاد: إشعال النار وإضرامها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا البرهان يأتي ترقياً معجزاً في إقامة الحجة؛ ففي الآية السابقة احتج بالنشأة الأولى وهو قياس الشبيه على شبيهه (الإحياء الأول على الإحياء الثاني)، وهنا ارتقى إلى ما هو أعمق وأدق؛ وهو الجمع بين الأضداد المتنافرة (الماء والنار، الرطوبة والحرارة)، فإذا كانت القدرة الإلهية تجمع بين ألد الأضداد في ساق شجرة واحدة، فكيف يعجز أن يجعل من العظم الرميم لحماً وعصباً وحياة!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد خروج الشيء من ضده بحجة التناقض الفيزيائي: يزعم المادي أن الموت والرميم نقيض للحياة والحرارة الغريزية، والنقيض لا يولد من نقيضه.
رد الشبهة بالمحاكمة العلمية والحسية المعجزة لقوانين الطاقة والتركيب: ضرب القرآن مثلاً حسياً يفحم كل عقل؛ الشجر الأخضر أصله ماء وتراب وثاني أكسيد الكربون، يختزن طاقة الشمس الضوئية الكامنة في روابطه العضوية عبر التمثيل الضوئي، فإذا حُك أو أوقد تحولت تلك المواد الخضراء الرطبة الباردة إلى طاقة حرارية ونارية متأججة، فالطبيعة كلها قائمة على إخراج الضد من الضد والتحولات الفيزيائية المعجزة التي سخرها الله، فمن الذي أودع هذا السر في الشجر؟ إنه الله القادر على إخراج النبض والحياة من الرميم والتراب الجاف.
الوصف بـ {الْأَخْضَرِ}: فيه إشارة بلاغية وعلمية دقيقة؛ فالخضرة عنوان الرطوبة والماء والحياة، والنار عنوان الحرارة واليبوسة والجفاف، والجمع بينهما في عبارة واحدة يمثل قمة الطباق المعنوي والبياني الباهر.
«إذا» الفجائية في {فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}: تبرز سهولة التحول وسرعته المذهلة بين قطرات الماء ولهيب النار بمجرد حك العودين.
الإشارة التدبرية: كما يكمن النور والنار في خضرة الشجر الرطب، كذلك تكمن أنوار الإيمان والحياة في القلوب التي يظن الناس أنها قست وماتت إذا أذن الله لها بالهداية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الطاقة والنار ومصادرها؛ فلولا هذه النعمة التي أودعها الله في الشجر والحطب والوقود لما استقامت للإنسان صناعة ولا طعام ولا تدفئة.
اليقين المطلق في قدرة الله على تفريج الكربات وتبديل الأحوال؛ فالذي يخرج النار من الشجر الأخضر الرطب قادر على إخراج الفرج والنور من قلب المحن والظلمات.