حصر رباني لنفع النذارة في القلوب الحية المستعدة لقبول الحق؛ وهم الذين اتبعوا القرآن وخافوا ربهم في خلواتهم، وبشارة كريمة لهم بمغفرة الخطايا وعظيم الأجر.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 536)جامع البيانالطبري٢٠/٥٣٦: «يقول تعالى ذكره: إنما تنفع نذارتك يا محمد، ويقبل موعظتك من اتبع هذا القرآن فصدق به وعمل بما فيه من أمر ونهي، وخاف الرحمن بالغيب وهو لم يره، واستحيا من ربه في خلواته إذا غاب عن أعين الناس؛ فبشر هذا المطيع التائب بمغفرة من الله لذنوبه، وثواب كريم جزيل لا يقادر قدره وهو الجنة».
وقال قتادة في قوله: {مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ}: «هو القرآن، اتبعه فجعله إمامه ودليله»، وقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ}: «خافه حين لا يراه أحد من الناس، فكان خوفه إخلاصاً وصدقاً».
وقال ابن كثير: «أي إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون ما أنزل الله ويخافون مقام ربهم في سرائرهم، فبشرهم بالمغفرة التامة والأجر الواسع المقيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر القطعي.
{مَنِ}: اسم موصول مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، في محل نصب مفعول به لـ «تنذر».
{اتَّبَعَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها. والاتباع: اقتفاء الأثر بالسير وراءه خطوة بخطوة طواعية وانقياداً.
{الذِّكْرَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والمراد القرآن العظيم.
{وَخَشِيَ}: معطوف على «اتبع»، ماض وفاعله مستتر.
{الرَّحْمَٰنَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{بِالْغَيْبِ}: الباء للملابسة، الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الفاعل؛ أي خاشعاً غائباً عن أعين الخلق، أو خائفاً من عذابه ووعده الغيبي.
{فَبَشِّرْهُ}: الفاء واقعة في جواب الموصول المتضمن معنى الشرط، «بشر» فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر والكاف مفعول به.
{بِمَغْفِرَةٍ}: متعلق بـ {بَشِّرْهُ}، والمغفرة ستر الذنب ومحوه.
{وَأَجْرٍ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{كَرِيمٍ}: نعت لـ «أجر» مجرور بالكسرة؛ والكريم هو العظيم الحسن المرضي الذي لا كدر فيه ولا منّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم هو المقابل البديع للآية السابقة؛ فلما نفى نفع الإنذار عن المعاندين المستكبرين في قوله: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ...}، أثبت هنا من ينتفع بالإنذار حقيقة بأداة الحصر {إِنَّمَا}؛ ليوجه النبي ﷺ إلى العناية بهؤلاء النجباء أهل القلوب الزاكية.
التناسب البين بين الوصف والجزاء: وصفهم بـ {اتَّبَعَ الذِّكْرَ} و{خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ}، فكان الجزاء المقابل هو {مَغْفِرَةٍ} لتقصيرهم البشري، و{أَجْرٍ كَرِيمٍ} لثباتهم على الطاعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين الخشية واسم «الرحمن»: قد يتساءل البعض: لماذا اقترنت الخشية باسم «الرحمن» الدال على سعة الرحمة دون اسم «الجبار» أو «المنتقم»؟
رد الشبهة واللطيفة العقدية والوجدانية: إيراد اسم {الرَّحْمَٰنَ} هنا في غاية الإعجاز والعمق؛ لأن خوف المؤمن الحقيقي وخشيته ليست كخوف الرعية من الطاغية المستبد، بل هي خشية ممتزجة بالمحبة والإجلال والرجاء في رحمته؛ فهو يخاف أن يفوته رضوان الرحمن، ويستحي من مبارزة الرحمن بالمعاصي وهو يغمده بالنعم، فكان خوفه صادراً عن تعظيم وشوق لا عن قنوط ويأس.
أسلوب القصر بـ {إِنَّمَا}: قصر إضافي لإفادة أن النذارة المثمرة المحققة لغايتها محصورة في أهل الاتباع والخشية.
التنكير للتعظيم في {مَغْفِرَةٍ} و{أَجْرٍ كَرِيمٍ}: للدلالة على سعة المغفرة وعمومها واستيعابها، وفخامة الأجر وعظمته في جنات الخلود.
وصف الأجر بـ {كَرِيمٍ}: استعارة تخيلية تجعل الأجر موصوفاً بالكرم والجود؛ لكونه فائضاً عن مقدار العمل مستمراً بلا انقطاع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معيار النجاة في الإسلام: النجاة الحقيقية تدور على ركنين عظيمين: «اتباع الذكر» وهو لزوم الكتاب والسنة، و«خشية الرحمن بالغيب» وهو الإخلاص ومراقبة الله في الخلوات، فمن حققهما فليبشر بحسن الخاتمة والمغفرة التامة.
وظيفة الداعية التبشير كما الإنذار: الداعية لا يقتصر على التخويف بل يعقب النذارة بالبشارة العطرة: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}، ليشحذ همم المؤمنين ويرفع رجاءهم.