أسلوب بياني رفيع في الدعوة؛ حيث نقل الخطاب من توجيه الأمر المباشر لقومه إلى الحديث عن نفسه وفطرته وخوفه من لقاء ربه، ليلزمهم بالحق بألطف مسلك وأحكم برهان.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 553)جامع البيانالطبري٢٠/٥٥٣: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هذا الرجل المؤمن لقومه: وأي شيء يمنعني، وأي عذر لي ألا أعبد ربي الذي خلقني وابتدأ فطرتي ولم أكن شيئاً؟! وإليه وحده ترجعون جميعاً بعد الموت فيجزي كلاً بعمله؛ وهذا كلام منه لقومه على وجه الملاطفة في الدعوة، والمراد به: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون؟! فخاطبهم في نفسه ليسمعهم الحق بلا مواجهة منفّرة».
وقال قتادة وابن كثير: «أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع إليهم؛ تنبيهاً على أن الخالق هو المستحق للعبادة وحده، وأن المرجع إليه في الحساب، فجمع بين دليل النشأة الأولى ودليل المعاد».
وقرأ الجمهور بسكون الياء في الوصل والوقف «وَمَا لِيْ»، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح الياء وصلاً: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ متضمن معنى النفي والإنكار والتعجب.
{لِيَ}: اللام حرف جر، والياء ضمير متصل مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ «ما»؛ والمعنى: أي شيء كائن لي ومانع لي من عبادة ربي؟!
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{أَعْبُدُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والجملة في محل نصب حال من الياء في «لي» بتقدير عامل محذوف؛ أي ما لي مانعاً من عبادة الله، أو منصوب بنزع الخافض (في ألا أعبد).
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ «أعبد».
{فَطَرَنِي}: فعل ماض والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة صلة الموصول، والفطر: الخلق والابتداء على غير مثال سابق.
{وَإِلَيْهِ}: الواو عاطفة، الجار والمجرور متعلق بـ {تُرْجَعُونَ}، وتقديمه يفيد القصر والحصر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل قمة الدبلوماسية الدعوية والأدب البياني في القرآن:
لم يقل لهم بغلظة: «وما لكم لا تعبدون الله!»، بل أجرى الكلام على لسانه هو: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي}؛ ليدلهم على مقتضى الفطرة السليمة في ذات نفسه؛ فكأنه يقول: انظروا إليّ، هل يقبل عقلي أو ترتضي فطرتي أن أكفر بمن أوجدني وأعبد حجراً لا يملك شيئاً؟! فإذا سمع السامع هذا المنطق انسلخ من كبريائه وقاس نفسه على نفس المتكلم.
ثم التفت التفاتاً بديعاً في الختام بالتحذير: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ولم يقل: وإليه أرجع؛ لينبههم إلى مصيرهم هم وحتمية وقوفهم بين يدي هذا الخالق العظيم للحساب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحقاق الأصنام للعبادة كشركاء أو وسائط: يزعم المشركون أن آلهتهم تستحق العبادة لأنها تقربهم إلى الله أو تدفع عنهم النوازل.
رد الشبهة بالمحاكمة الوجودية والأنطولوجية الصارمة: ألزمهم الرجل المؤمن بأصلين بديهيين لا مدفع لهما:
أصل الإيجاد: {الَّذِي فَطَرَنِي}؛ فمن خلقك من العدم وأسبغ عليك النعم هو وحده المستحق للعبادة والشكر عقلاً، وعبادة غير الخالق قمة الجحود والظلم.
أصل المصير والمعاد: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛ فمن بيده مرجعكم ومحاسبتكم يوم القيامة هو الذي يجب أن يُتقى ويُرهب، ولا مدخل للأصنام في خلق ولا في بعث.
أسلوب «التعريض والمواربة اللطيفة»: التعبير عن مراده فيهم بالتكلم عن نفسه: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ}؛ لتجنب مواجهة كبريائهم ونفورهم، وهو من أبلغ أساليب الإقناع النفسي.
الالتفات البديع من التكلم إلى الخطاب: من قوله: {فَطَرَنِي} (تكلم) إلى قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (خطاب)؛ للجمع بين التودد الفطري في الأول، والإنذار بالمسؤولية الأخروية في الثاني.
تقديم الجار والمجرور {وَإِلَيْهِ}: لإفادة الحصر والقصر؛ أي إليه وحده مرجعكم لا إلى الأصنام ولا إلى الرؤساء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه مخاطبة الناس بالتي هي أحسن: درس بليغ للدعاة في تجنب الأساليب الفجة والاتهام المباشر، واستخدام أسلوب التساؤل الذاتي والملاطفة العقلية التي تجعل المخاطب يراجع نفسه دون شعور بالهزيمة أو الانتقاص.
ارتباط العبادة بنعمة الخلق والخوف من المعاد: على المسلم أن يغذي في قلبه محبة الله وخشيته بالتفكر الدائم في نعمة الإيجاد: «فطرني»، ويقين العودة والحساب: «إليه ترجعون».