استكمال بنود العهد الإلهي بتقرير الركن الإيجابي الأعظم وهو إفراد الله بالعبادة والتوحيد؛ فبعد أن نهاهم عن عبادة الشيطان وطاعته، أمرهم بعبادته وحده لا شريك له، مبيناً أن هذا التوحيد والطاعة هو الصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله والجنة، والمنقذ من عذاب الجحيم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 616)جامع البيانالطبري٢٠/٦١٦: «يقول تعالى ذكره: وألم أعهد إليكم أيضاً أن أفردوني بالعبادة وأخلصوا لي الطاعة دون غيري، هذا الذي أمرتكم به من إفرادي بالعبادة وترك طاعة الشيطان هو طريق مستقيم لا عوج فيه، يوصل سالكه إلى جنات النعيم والنجاة من العذاب الأليم».
وقال قتادة: «أمرهم بعبادته وإخلاص الدين له، وبين لهم أنه الطريق السوي الواضح».
وقال ابن كثير: «أي أمرتكم في دار الدنيا بعبادتي وطاعة رسلي، وهذا هو الصراط المستقيم الذي بينته لكم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَنِ}: الواو عاطفة، «أن» مخففة من الثقيلة أو مصدرية أو مفسرة، وحركت النون بالكسر لالتقاء الساكنين.
{اعْبُدُونِي}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة معطوفة على {أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{صِرَاطٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّسْتَقِيمٌ}: نعت لصراط مرفوع بالضمة الظاهرة؛ أي طريق واضح معتدل لا عوج فيه ولا انحراف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا العطف يكمل التوحيد التام المبني على النفي والإثبات (التخلية والتحلية)؛ فالنفي في قوله {أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}، والإثبات في قوله {وَأَنِ اعْبُدُونِي}، وهو حقيقة كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
تذييل الآية بجملة {هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} هو بمثابة التزكية الإلهية المطلقة لهذا المنهج، والتنبيه على أنه السبيل الأوحد المأمون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعدد السبل والمناهج بزعم أن كل الطرق تؤدي إلى الله: يزعم دعاة النسبية الدينية أن عبادة أي شيء بإخلاص كافية للنجاة.
رد الشبهة بالمحاكمة الهندسية والعقلية لمفهوم الصراط المستقيم: الصراط المستقيم في لغة العرب وموازين العقول هو أقصر خط واصل بين نقطتين وهو واحد لا يتعدد، وكل خط ينحرف عنه هو عوج وضلال، وقد خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً وخط عن جنبتيه خطوطاً وقال: «هذا سبيل الله مستقيماً، وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، فالطريق إلى الله واحد محكم وهو عبادته وحده وفق شريعته.