الدفاع النبوي الإلهي وتنزيه مقام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن العظيم عن دركات الشعر وتخيلاته وأوهامه؛ حيث يرد الله سبحانه رداً قاطعاً على افتراءات قريش حين زعموا أن النبي شاعر وأن القرآن شعر، فنفى سبحانه أن يكون علم نبيه الشعر أو ألهمه إياه، وأكد أن الشعر لا يصح له ولا يليق بمقامه الشريف ولا تقتضيه فطرته النبوية الصادقة، وما هذا المنزل عليه إلا تذكير وموعظة من الله وكتاب وقرآن واضح بين الحق من الباطل.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 630)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣٠: «يقول تعالى ذكره: وما علمنا محمداً الشعر، وما ينبغي له؛ أي وما يصلح له ولا يليق به أن يكون شاعراً، ولا يتفق ذلك مع صفة النبوة والرسالة؛ لأن الشعر يقوم على التخيل والظنون والافتنان في القول والمدح بالباطل والذم بالهوى، والأنبياء منزهون عن ذلك كله، ما هذا الذي أنزلناه عليه إلا ذكر؛ تذكير للعباد من الله، وقرآن مبين؛ كتاب يبين الحق من الباطل والهدى من الضلال».
وثبت في السيرة النبوية الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينشد بيتاً من الشعر موزوناً على نسقه قط؛ فإن تمثل أحياناً ببيت كسر وزنه أو غير ترتيبه، ونقل أئمة السنة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: «كان أبغض الحديث إليه الشعر».
وقال قتادة ومجاهد: «قالت قريش: إنما محمد شاعر وما يقوله شعر، فأنزل الله تكذيبهم: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، «ما» نافية لا عمل لها.
{عَلَّمْنَاهُ}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير فاعل، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
{الشِّعْرَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة. والشعر في لغة العرب: الكلام الموزون المقفى المعتمد على التخييل.
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» نافية.
{يَنبَغِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، ومعنى ينبغي: يصح ويتيسر ويليق.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلق بينبغي، والفاعل ضمير مستتر يعود على الشعر، أو المصدر المؤول المقدر من السياق؛ أي: وما ينبغي له إنشاد الشعر وقوله.
{إِنْ}: حرف نفي بمعنى «ما».
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ يعود على القرآن أو الوحي.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{ذِكْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَقُرْآنٌ}: الواو عاطفة، «قرآن» معطوف على ذكر مرفوع بالضمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد الحاسم يتنزل في خاتمة السورة ليثبت مصدرية القرآن بعد استعراض الآيات الكونية والبراهين العقلية ومصائر الأمم ومشاهد الآخرة؛ فلما كانت السورة قد بدأت بقسم إلهي عظيم: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، ناسب أن يختم السياق بنفي تهمة الشعر التي حاول المشركون بها التشويش على هذا الوحي الحكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المشركين والمستشرقين في ادعاء عبقرية شعرية أدبية لمحمد صلى الله عليه وسلم: زعموا أن القرآن نتاج موهبة شعرية متدفقة ومشاعر وجدانية فاض بها خيال النبي.
رد الشبهة بالمحاكمة البلاغية والمنطقية للبون الشاسع بين الوحي والشعر: الشعر في حقيقته وجوهره يقوم على الخيال والمبالغة وإثارة العواطف، والشعراء في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون، ويمدحون طلباً للمال ويهجون بالباطل، أما القرآن فهو حقائق مطلقة ثابتة، وتشريعات محكمة عادلة، وعقائد قطعية، وأخبار غيبية متحققة لا أثر فيها للخيال ولا الزيف، مع خلوه من قيود الوزن والقافية الشعرية المألوفة، فعجزه فصحاء العرب عن معارضته مع معرفتهم الدقيقة بفنون الشعر دليل قاطع على أن مصدره ليس علماً بشرياً بل وحي الرب الخبير.