التذكير بالقدرة والبطش الإلهي وأن النجاة في البحر والبر ليست ذاتية للمراكب بل بمشيئة الله وحفظه؛ فلو شاء الله لأغرق هؤلاء الراكبين وطواهم في لجة اليم مع سفنهم، وحينئذ فلا يجدون مغيثاً يصرخ لإغاثتهم، ولا منقذاً ينقذهم من الغرق والهلاك المحتوم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 586)جامع البيانالطبري٢٠/٥٨٦: «يقول تعالى ذكره: وإن نشأ نحن نغرق هؤلاء الذين حملناهم في الفلك وهم في البحر، فلا صريخ لهم؛ أي لا مغيث يغيثهم ولا يجيب صراخهم ودعاءهم، ولا هم ينقذون من الغرق ومن عذاب الله فينجون».
وقال قتادة: «{فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ}؛ أي لا مغيث لهم». والصرِيخ في لغة العرب يطلق على المغيث وعلى المستغيث، والمراد هنا المغيث الذي يدرك الغريق فينقذه.
وقال ابن كثير: «أي لو شاء لأغرقهم في البحر مع عظم سفنهم وقوتها، فلا يجدون من يغيثهم مما هم فيه، ولا يخلصهم من الهلاك أحد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِن}: الواو عاطفة أو استئنافية، «إن» حرف شرط جازم.
{نَّشَأْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{نُغْرِقْهُمْ}: جواب الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره نحن، و«هم» ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
{فَلَا}: الفاء لتعليل الجواب أو عاطفة مفرعة على الغرق، «لا» نافية للجنس تعمل عمل إن.
{صَرِيخَ}: اسم «لا» مبني على الفتح في محل نصب. والصريخ: فعيل بمعنى مفعول (مصرُوخ إليه) أو فاعل (صارِخ بالإغاثة).
{لَهُمْ}: جار ومجرور في محل رفع خبر «لا».
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» نافية لتأكيد النفي.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُنقَذُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «هم».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التعقيب الجليل جاء ليمنع الغفلة والاغترار؛ فلما ذكر حملهم في السفن وخلق المراكب، خشي أن يظن الإنسان أن البحر قد تروّض له بذاته، فذكره فوراً بأن البحر ما زال بحراً هائجاً قاتلاً، وأن السفينة قطعة خشب أو حديد تافهة أمام لجج الأمواج، وأن الذي يمنع الغرق ليس جودة الصنع بل مشيئة الله وحفظه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اغترار الحضارات التقنية بقوة صناعتها البحرية (حادثة تيتانيك أنموذجاً): تزعم المادية الحديثة أن السفن العملاقة المتطورة غير قابلة للغرق بفضل الهندسة والمستشعرات المتقدمة.
رد الشبهة بالمحاكمة الواقعية والعقدية: التاريخ البشري مليء بالعبر؛ فسفينة تيتانيك التي زعم صانعوها أنها لا تغرق، غرقت في أول رحلة لها أمام جبل جليدي تافه، وعجزت كل نداءات الاستغاثة عن إنقاذ ركابها، مصداقاً لقوله الحق: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ}، فالاستناد إلى الأسباب المادية مع نسيان مسبب الأسباب جهل وغرور مدمر.
استعمال صيغة المبالغة {صَرِيخَ}: دلالة على أنه لا يوجد من يقدر على إغاثتهم في تلك اللحظة الرهيبة، ونفي الصريخ أبلغ من نفي المغيث؛ لأنه ينفي حتى من يستجيب لصراخهم واستغاثتهم.
بناء الفعل للمجهول في {يُنقَذُونَ}: إشارة إلى عموم امتناع الإنقاذ من أي منقذ كان، ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو جيشاً لجباً، إذا جاء أمر الله بالغرق.
التقابل بين الجمع {نُغْرِقْهُمْ} والإفراد في {صَرِيخَ}: لإفادة العموم والاستيعاب؛ فلا ينجو أحد من الغارقين، ولا يقف أحد من المنقذين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كسر الكبرياء البشري وإلجاء القلوب إلى التضرع والخوف من الله؛ فالإنسان في عرض البحر يشاهد حقيقة ضعفه المطلق، وتتلاشى أمامه كل قوى الأرض.
تربية المؤمن على الجمع بين الأخذ بالأسباب (بناء السفن وتأمينها) والتوكل الكامل على الله وحده (معرفة أن الحافظ هو الله).