افتتاح عرض مشاهد نعيم أهل الجنة وكرامتهم الفائقة في ذلك اليوم الفاصل؛ حيث يخبر سبحانه عن أهل السعادة والفلاح بأنهم مشغولون بما أنعم الله به عليهم من الملاذ والمسرات، متفكهون طربون ناعمون، قد أذهلتهم كرامة الله عن التفكير في أهوال المحشر وما فيه أهل النار من العذاب والشقاء.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 606)جامع البيانالطبري٢٠/٦٠٦: «اختلف أهل التأويل في معنى الشغل الذي هم فيه؛ فقال عبد الله بن مسعود وابن عباس في رواية: شغلهم افتضاض العذارى في الجنة. وقال قتادة والضحاك: شغلهم بالنعيم والسرور والملاذ والكرامة عما فيه أهل النار من العذاب. وقال عكرمة ومجاهد: في شغل بنعم الجنة التي لم تخطر على قلب بشر، فاكهون؛ أي فرحون ناعمون معجبون بما هم فيه».
وقرأ الجمهور {فِي شُغُلٍ} بضم الشين وسكون الغين أو ضمها، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر {فَاكِهُونَ}، وقرأ غيره {فَكِهُونَ} بغير ألف، ومعناهما متقارب: الناعمون، أصحاب الفكاهة والمرح والسرور الحلال.
وقال ابن كثير: «أي عما فيه أهل الجمع من الهول والحساب، وعما فيه أهل النار من العذاب والنكال، هم مشغولون بما هم فيه من النعيم المقيم واللذة السرمدية، فاكهون؛ أي فرحون ناعمون مستبشرون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{أَصْحَابَ}: اسم «إن» منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الْجَنَّةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بفاكهون أو بحال محذوفة.
{فِي شُغُلٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أول لـ «إن» أو متعلق بفاكهون، والتنكير للتعظيم والتفخيم. والشغل: ما يملأ وقت الإنسان وفكره من شأن عظيم.
{فَاكِهُونَ}: خبر «إن» ثانٍ (أو هو الخبر والجار والمجرور متعلق به) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. وفاكه: إما ذو فاكهة، أو ناعم فرح طيب النفس طرب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقابل القرآني الأخاذ يعقب مشهد القضاء والحساب العادل؛ فبعد أن بين مصير المحاسبة العامة {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}، أفرد أهل الجنة ببيان حالهم ورفعة مقامهم، ترويحاً للقلوب وتثبيتاً لأهل الإيمان، قبل أن يذكر طرد المجرمين وإهانتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم أن الشغل في الجنة تكليف وتعب ينافي الراحة والنعيم: قد يستشكل البعض لفظ {شُغُلٍ}؛ إذ الشغل في الدنيا يقترن غالباً بالكد والجهد والتعب والهموم.
رد الشبهة بالمحاكمة اللغوية والبيانية لصفاء نعيم الجنة: الشغل في لغة العرب يطلق على كل ما يستغرق النفس ويصرفها عن غيره، وشغل أهل الجنة ليس شغل كدح أو عمل بدني؛ فالجنة دار جزاء لا دار عمل، وإنما هو استغراق النفس في لذائذ النعيم وألوان المسرات التي تذهلهم عن التفكير في هموم الدنيا وأحزانها، فهو شغل تلذذ وانبهار وكرامة لا شغل تعب ومكابدة.