تقديم برهانين عقليين حاسمين يوجبان اتباع الرسل؛ تجردهم التام عن المطامع المادية، واستقامتهم وظهور أمارات الهداية والرشاد عليهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 552)جامع البيانالطبري٢٠/٥٥٢: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل الرجل المؤمن لقومه: اتبعوا أيها القوم هؤلاء الرسل الذين لا يطلبون منكم على نصيحتهم وبلاغهم مالاً ولا أجراً دنيوياً يأخذونه منكم، وهم مع ذلك مهتدون إلى صراط مستقيم ودين قويم، فما يمنعكم من اتباع من نصحكم بغير ثمن وكان على هدى وبصيرة؟!».
وقال قتادة: «وجد أصحاب الرسل دعوتهم قائمة على التجرد؛ فالمبطل يطلب الدنيا والرئاسة والمال، والرسول الصادق لا يطلب إلا وجه الله ونجاة قومه».
وقال ابن كثير: «استدل حبيب النجار على صدق الرسل بأوضح دليل؛ فإنهم يدعون إلى الحق الصرف، ولا يبتغون على ذلك جزاءً ولا شكوراً ولا عرضاً من الدنيا، ومن جمع بين الهداية والتجرد وجب اتباعه عقلاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اتَّبِعُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، كرر الأمر للتأكيد وتنبيه القلوب.
{مَن}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ «اتبعوا».
{لَّا}: نافية لا عمل لها.
{يَسْأَلُكُمْ}: مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره هو (يعود على من)، والكاف مفعول به أول والميم للجمع، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{أَجْرًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والأجر: العِوض والمال والجزاء المادي على العمل.
{مُّهْتَدُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل «يسألكم». والمهتدي: من هداه الله وسلك طريق الحق وظهرت عليه أنواره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل قمة الحكمة والإقناع العقلي الهادئ؛ فلما قال لهم أولاً {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، علم أنهم قد يتساءلون: ولماذا نتبعهم وما الذي يدعونا إلى تصديقهم؟ فأعاد الأمر بأسلوب الدليل المباشر: {اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ}.
قياس منطقي ناصع: اجتمع فيهم شرطان لانتفاء التهمة ولزوم الاتباع:
فمن جمع بين التجرد والأمانة وبين العلم والهدى، كان تركه واتهامه عين السفه والظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اتهام الدعاة والمصلحين بالمطامع الدنيوية والرئاسة: كثيراً ما يشكك الطغاة في نيات المصلحين زاعمين أنهم يبتغون الجاه والأموال وتقويض الاستقرار لمصالح خاصة.
رد الشبهة بمعيار التجرد القرآني: وضع مؤمن آل يس «المسطرة النبوية الدقيقة» لكشف صدق الداعية من كذبه؛ فالداعية الصادق لا يبتغي من الناس ديناراً ولا درهماً ولا منزلة، بل يبذل وقته وماله ونفسه مجاناً لإنقاذ الخلق، والتجرد من الطمع المادي هو البرهان الذي يسقط كل تهمة ويزرع الثقة في قلوب المدعوين.
تكرار فعل الأمر {اتَّبِعُوا}: للتوكيد اللفظي وشد الانتباه، ونقل المخاطب من التسويف إلى العمل الفوري.
التنكير في {أَجْرًا} في سياق النفي: يفيد العموم التام؛ أي لا يسألونكم أي أجر؛ لا قليلاً ولا كثيراً، ولا مالاً ولا جاهاً.
المراعاة اللطيفة في الضمائر: أفرَدَ الفعل {يَسْأَلُكُمْ} مراعاة للفظ «مَن»، وجمع في الجملة الحالية {وَهُم مُّهْتَدُونَ} مراعاة لمعناها ليعود على الرسل الثلاثة جميعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرط النجاح الدعوي: التجرد والاستقامة: رسالة لكل من يتصدى للدعوة والتعليم والإصلاح؛ لن تجد لدعوتك قبولاً وأثراً في الناس إلا إذا رآك الناس زاهداً في دنياهم، عفيف اليد عن أموالهم، متمسكاً بالهدى في خاصة نفسك.
التفكير الموضوعي النزيه عند سماع الدعوة: دعوة لكل مستمع ألا ينظر إلى العواطف أو التقاليد الموروثة، بل يزن الداعية بهذين الميزانين: هل يطلب دنيا؟ وهل يدعو إلى رشد وهدى؟ فإن كان كذلك فالحق أحق أن يُتبع.